الحائزون ن منازل القربة أعظم رتبة (عَلى هُدىً) أي عظيم هم متمكنون منه تمكن المستعلي على الشيء ، وقال : (مِنْ رَبِّهِمْ) تذكيرا لهم بأنه لو لا إحسانه ما وصلوا إلى شيء. ليلزموا تمريغ الجباه على الأعتاب ، خوفا من الإعجاب (وَأُولئِكَ هُمُ) أي خاصة (الْمُفْلِحُونَ) أي الظافرون بكل مراد.
ولما كان فطم النفس عن الشهوات. أعظم هدى قائد إلى حصول المرادات ، وكان اتباعها الشهوات أعظم قاطع عن الكمالات ، وكان في ختام الروم أن من وقف مع الموهومات عن طلب المعلومات مطبوع على قلبه ، وكان ما دعا إليه الكتاب هو الحكمة التي نتيجتها الفوز ، وما دعا إليه اللهو هو السفه المضاد للحكمة ، بوضع الأشياء في غير مواضعها ، المثمر للعطب ، قال تعالى معجبا ممن يترك الجد إلى اللهو ، ويعدل عن جوهر العلم إلى صدف السهو ، عاطفا على ما تقديره : فمن الناس من يتحلى بهذا الحال فيرقى إلى حلبة أهل الكمال : (وَمِنَ) ويمكن أن يكون حالا من فاعل الإشارة. أي أشير إلى آيات الكتاب الحكيم حال كونه هدى لمن ذكر والحال أن من (النَّاسِ) أي الذين هم في أدنى رتبة الإحساس ، لم يصلوا إلى رتبة أهل الإيمان ، فضلا عن مقام أولي الإحسان.
ولما كان التقدير : من يسير بغير هذا السير ، فيقطع نفسه عن كل خير ، عبر عنه بقوله : (مَنْ يَشْتَرِي) أي غير مهتد بالكتاب ولا مرحوم به (لَهْوَ الْحَدِيثِ) أي ما يلهي من الأشياء المتجددة التي تستلذ فيقطع بها الزمان من الغناء والمضحكات وكل شيء لا اعتبار فيه ، فيوصل النفس بما أوصلها إليه من اللذة إلى مجرد الطبع البهيمي فيدعوها إلى العبث من اللعب كالرقص ونحوه مجتهدا في ذلك معملا الخيل في تحصيله باشتراء سببه ، معرضا عن اقتناص العلوم وتهذيب النفس بها عن الهموم والغموم ، فينزل إلى أسفل سافلين كما علا الذي قبله بالحكمة إلى أعلى عليين ـ قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في رجل اشترى جارية تغنيه ليلا ونهارا ، وقال مجاهد : في شرى القيان والمغنين والمغنيات ، وقال ابن مسعود : اللهو الغناء ، وكذا قال ابن عباس وغيره (١).
ولما كان من المعلوم أن عاقبة هذه الملاهي الضلال ، بانهماك النفس في ذلك ، لما طبعت عليه من الشهوة لمطلق البطالة ، فكيف مع ما يثير ذلك ويدعو إليه من
__________________
(١) أثر مجاهد علّقه الواحدي في أسباب النزول ص / ٢٥٩.
وفي الباب عن أبي أمامة أخرجه الترمذي ٣١٩٥ والواحدي ص / ٢٦٠ وإسناده ضعيف. قال الترمذي : هذا حديث غريب سمعت محمدا ـ يقصد البخاري ـ يقول : علي بن يزيد لضعيف.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
