قضى عليه تعالى بالكفر ، اتبعت السورتان بما اشتملت عليه سورة الشورى من أن ذلك كله إنما جرى على ما سبق في علمه تعالى بحكم المشيئة الأزلية (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَلَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا) فتأمل هذه وما التحم بها مما لم يجر في السورة المتقدمة منه إلا النادر ، ومحكم ما استجره ، وبناء هذه السورة على ذلك ومدار آيها ، يلح لك وجه اتصالها بما قبلها والتحامها بما جاورها.
ولما ختمت سورة السجدة بقوله تعالى (أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ) أعقبها سبحانه بتنزيهه وتعاليه عن ريبهم وشكهم ، فقال تعالى (تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَ) كما أعقب بمثله في قوله تعالى (وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً) إذ (تَكادُ السَّماواتُ) يتفطرون منه ولما تكرر في سورة حم السجدة ذكر تكبر المشركين وبعد انقيادهم في قوله تعالى (فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ) إلى ما ذكر تعالى من حالهم المنبئة عن بعد استجابتهم فقال تعالى في سورة شورى (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) ـ انتهى.
ولما أخبر سبحانه أنه صاحب الوحي بالشرائع دائما قديما وحديثا ، علل ذلك بأنه صاحب الملك العام فقال : (لَهُ ما فِي السَّماواتِ) أي من الذوات والمعاني (وَما فِي الْأَرْضِ) كذلك. ولما كان العلو مستلزما للقدرة قال : (وَهُوَ الْعَلِيُ) أي على العرش الذي السماوات فيه علو رتبة وعظمة ومكانة لا مكان وملابسة ، فاستلزم ذلك أن تكون له السماوات كلها والأراضي كلها مع ما فيها (الْعَظِيمُ) أي فلا يتصور شيء في وهم ولا يتخيل في عقل إلا وهو أعظم منه بالقهر والملك ، فلذلك يوحي إلى من يشاء بما يشاء من إقرار وتبديل ، لا اعتراض لأحد عليه.
ولما كان السياق مفهما عظيم ملكه سبحانه وقدرته بكثرة ما في الأكوان من الأجسام والمعاني التي هي لفظاعتها لا تحتمل ، قال مبينا لذلك : (تَكادُ السَّماواتُ) أي على عظم خلقهن ووثاقة إبداعهن ، وفلقهن بما أعلم به الواقع ، ونبه عليه بتذكير (تَكادُ) في قراءة نافع والكسائي (يَتَفَطَّرْنَ) أي يتشققن ويتفرط أجزاؤهن مطلق انفطار في قراءة من قرأ بالنون وخفف وهم هنا أبو عمرو ويعقوب وشعبة عن عاصم ، وتفطرا شديدا في قراءة الباقين بالتاء المثناة من فوق مفتوحة وتشديد الطاء ، مبتدئا ذلك (مِنْ
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
