ولما كان هجران المضجع قد يكون لغير العبادة ، بين أنه لها ، فقال مبينا لحالهم : (يَدْعُونَ) أي على سبيل الاستمرار ، وأظهر الوصف الذي جرأهم على السؤال فقال : (رَبَّهُمْ) أي الذي عودهم بإحسانه : ثم علل دعاءهم بقوله : (خَوْفاً) أي من سخطه وعقابه ، فإن أسباب الخوف من نقائضهم كثيرة سواء عرفوا سببا يوجب خوفا أو لا ، فهم لا يأمنون مكره لأن له أن يفعل ما يشاء (وَطَمَعاً) أي في رضاه الموجب لثوابه ، وعبر به دون الرجاء إشارة إلى أنهم لشدة معرفتهم بنقائصهم لا يعدون أعمالهم شيئا بل يطلبون فضله بغير سبب ، وإذا كانوا يرجون رحمته بغير سبب فهم مع السبب أرجى ، فهم لا ييأسون من روحه.
ولما كانت العبادة تقطع عن التوسع في الدنيا ، فربما دعت نفس العابد إلى التمسك بما في يده خوفا من نقص العبادة عند الحاجة لتشوش الفكر والحركة لطلب الرزق ، حث على الإنفاق منه اعتمادا على الخلاق الرزاق الذي ضمن الخلف ليكونوا بما ضمن لهم أوثق منهم بما عندهم ، وإيذانا بأن الصلاة سبب للبركة في الرزق (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ) [طه : ١٣٢] ، فقال لفتا إلى مظهر العظمة تنبيها على أن الرزق منه وحده : (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ) أي بعظمتنا ، لا حول منهم ولا قوة (يُنْفِقُونَ) من غير إسراف ولا تقتير في جميع وجوه القرب التي شرعناها لهم.
ولما ذكر جزاء المستكبرين ، فتشوفت النفس إلى جزاء المتواضعين ، أشار إلى جزائهم بفاء السبب ، إشارة إلى أنه هو الذي وفقهم لهذه الأعمال برحمته ، وجعلها سببا إلى دخول جنته ، ولو شاء لكان غير ذلك فقال : (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ) أي من جميع النفوس مقربة ولا غيرها (ما أُخْفِيَ لَهُمْ) أي لهؤلاء المتذكرين من العالم بمفاتيح الغيوب وخزائنها كما كانوا يخفون أعمالهم بالصلاة في جوف الليل وغير ذلك ولا يراؤون بها ، ولعله بني للمفعول في قراءة الجماعة تعظيما له بذهاب الفكر في المخفي كل مذهب ، أو للعلم بأنه الله تعالى الذي أخفوا نوافل أعمالهم لأجله ، وسكن حمزة الياء على أنه للمتكلم سبحانه لفتا لأسلوب العظمة إلى أسلوب الملاطفة ، والسر مناسبته لحال الأعمال.
ولما كانت العين لا تقر فتهجع إلا عند الأمن والسرور قال : (مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) أي من شيء نفيس سارّ تقر به أعينهم لأجل ما أقلعوها عن قرارها بالنوم ؛ ثم صرح بما أفهمته فاء السبب فقال : (جَزاءً) أي أخفاها لهم لجزائهم (بِما كانُوا) أي بما هو لهم كالجبلة (يَعْمَلُونَ) روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
