العظمة إلى ما ينبه على القدرة على البعث ولا بد : (إِنَّ الَّذِي أَحْياها) بما أخرج من نباتها الذي كان بلي وتحطم وصار ترابا (لَمُحْيِ الْمَوْتى) كما فعل بالنبات من غير فرق. ولما كانوا مع إقرارهم بتمام قدرته كأنهم ينكرون قدرته لإنكارهم البعث قال معللا مؤكدا : (إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لأن الممكنات متساوية الأقدام بالنسبة إلى القدرة ، فالقادر قدرة تامة على شيء منها قادر على غيره.
ولما بين أن الدعوة إلى الله أعظم المناصب ، وأشرف المراتب ، وبين أنها إنما تحصل ببيان دلائل التوحيد التي من أعظمها البعث ، وبينه إلى أن كان بهذا الحد من الوضوح ، كان مجز التهديد من أعرض عن قبوله : فقال في عبارة عامة له ولغيره ، مؤكدا تنبيها على أن فعلهم فعل من يظن أنه سبحانه لا يطلع على أعماله : (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ) أي يميلون بصرف المعاني عن القصد وسنن العدل بنحو قولهم (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى ،) أو يماحلون باللغو بالمكاء والتصدية وغير ذلك من أنواع اللغط وكل ما يشمله معنى الميل عما تصح إرادته.
ولما كان الاجتراء على الإلحاد قادحا في الاعتراف بالعظمة ، أعاد مظهرها فقال : (فِي آياتِنا) على ما لها من العظمة الدالة على ما لنا من الوحدانية وشمول العلم وتمام القدرة. ولما كان العلم بالإساءة مع القدرة سببا للأخذ ، قال مقررا للعلم بعد تقرير القدرة : (لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا) أي في وقت من الأوقات ولا وجه من الوجوه ، ونحن قادرون على أخذهم ، فمتى شئنا أخذنا ، ولا يعجل إلا ناقص يخشى الفوت.
ولما كان الإلحاد سببا لإلقاء صاحبه في النار ، وكان التقدير : ونحن نحلم عن العصاة فمن رجع إلينا أمن كل مخوف ، ومن أعرض إلى الممات ألقيناه في النار ، سبب عنه قوله تعالى : (أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ) أي على وجهه بأيسر أمر بسبب إلحاده في الآيات وإعراضه عن الدلالات الواضحات ، فيكون خائفا يوم القيامة لما يرى من مقدمات ذلك حتى يدهمه ما خاف منه (خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي) إلينا (آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ) حين نجمع عبادنا للعرض علينا للحكم بينهم بالعدل فيدخل الجنة دار السّلام فيدوم أمنه ، والآية من الاحتباك : ذكر الإلقاء في النار أولا دليلا على دخول الجنة ثانيا ، والأمن ثانيا دليلا على الخوف أولا ، وسره أنه ذكر المقصود بالذات ، وهو ما وقع الخوف لأجله أولا ، والأمن الذي هو العيش في الحقيقة ثانيا.
ولما كان هذا رادا ولا بد للعاقل عن سوء أعماله إلى الإحسان رجاء إنعام الله وإفضاله ، أنتج قوله مهددا ومخوفا ومتوعدا صارفا القول عن الغيبة إلى الخطاب لأنه أدل على الغضب على المتمادي بعد هذا البيان : (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ) أي فقد علمتم مصير المسيء والمحسن ، فمن أراد شيئا من الجزاءين فليعمل أعماله ، فإنه ملاقيه. ولما
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
