إنهم آمنوا وصدقوا ثم ارتدوا وكذبوا ، فأجراهم مجرى إخوانهم في الاستئصال. (فَأَخَذَتْهُمْ) أي بسبب ذلك أخذ قسر وهوان (صاعِقَةُ الْعَذابِ) وأبلغ في وصفه بجعله نفس الهون فقال : (الْهُونِ) أي ذي الهون ، قامت ضمته مقام ما في الهوان من الصيغة فعلم أن المراد أنه المهين المخزي (بِما كانُوا) أي دائما (يَكْسِبُونَ) أي يتجدد تحصيلهم له وعدهم له فائدة ، فالآية من الاحتباك : ذكر الهداية أولا دليلا على حذف الضلال ثانيا والعمى ثانيا دليلا على حذف الإبصار أولا ، وسره أنه نسب إليه أشرف فعليه ، وأسند إليهم ما لا يرضاه ذو روح.
ولما أتم الخبر عن الكافرين من الفريقين ، أتبعه الخبر عن مؤمنيهم بشارة لمن اتبع النبي صلىاللهعليهوسلم ونذارة لمن صد عنه فقال : (وَنَجَّيْنَا) أي تنجية عظيمة (الَّذِينَ آمَنُوا) أي أوجدوا هذا الوصف ولو على أدنى وجوهه من الفريقين (وَكانُوا) أي كونا عظيما (يَتَّقُونَ) أي يتجدد لهم هذا الوصف في كل حركة وسكون فلا يقدمون على شيء بلا دليل.
ولما ذكر حالهم في الدنيا ، وأشار إلى حال الآخرة ، أتبعه تفصيل ذلك فقال : (وَيَوْمَ) أي اذكر أيام أعداء الله في الدنيا في إنزال عذابه بهم وإحلال مثلاته بساحاتهم ، واذكر يوم يحشرون ـ هكذا كان الأصل ، ولكنه بين ما عذبوا به ليعم كل من اتصف به من الأولين والآخرين فقال : (يُحْشَرُ) أي يجمع بكثرة بأمر قاهر لا كلفة علينا فيه ـ هذا على قراءة الجماعة بالبناء للمفعول ، وعلى قراءة نافع ويعقوب بالنون مبنيا للفاعل يكون ناظرا إلى سياق «ونجينا» وفي كلتا القراءتين معنى العظمة ، فلذلك ناسبهما الاسم الأعظم الذي هو أعظم من مظهر العظمة الذي وقع الصرف عنه لما في ذكره من زيادة التوبيخ لهم والتهجين لفعلهم والتخسيس لعقولهم في قوله : (أَعْداءُ اللهِ) أي الملك الأعظم ولا يخفى إعرابه بحسب كل قراءة (إِلَى النَّارِ) دار الأشقياء (فَهُمْ) بسبب حشرهم (يُوزَعُونَ) أي يدفعون ويرد بأيسر أمر أولهم على آخرهم ، ومن يريد أن يعرج منهم يمينا أو شمالا ظنا منه أنه قد يخفى بسبب كثرتهم ويزجرون زجر إهانة ، ويجمع إليهم من شذ منهم ، فإن كل شيء من ذلك نوع من العذاب.
ولما بين إهانتهم بالوزع ، بين غايتها فقال : (حَتَّى إِذا) وأكد الكلام لإنكارهم مضمونه بزيادة النافي ليكون اجتماعه مع الإثبات نفيا للضد فيفيد غاية القوة بمضمون الخبر في تحقيقه وثباته واتصاله بالشهادة على الفور فقال : (ما جاؤُها) أي النار التي كانوا بها يكذبون (شَهِدَ عَلَيْهِمْ) حين التكوير فيها مركومين بعضهم على بعض. ولما
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
