ترى الأمر ينزل إلى السماء أولا في إنزال الماء فيخلقه فيما هنالك ثم ينزله إلى الأرض والنبات والحيوان عن الماء الذي ينزل من السماء إلى الأرض بمنزلة النسل بين الذكر والأنثى وبمنزلة تسخير السماء والأرض وما بينهما لما وجدنا له فافهم ـ أمر قويم وحكمة شائعة آية ذلك قضاؤه بركات الأرض في أربعة أيام بواسطة ما قدر في السماء من أمر وهي الأربعة الفصول من السنة. الشتاء الربيع الصيف والخريف ، فهذه الأيام معلومة بالمشاهدة ، فيهن يتم زرع الأرض وبركات الدنيا وجميع ما يخرجه منها من فوائد وعجائب ، قال : وقوله (لِلسَّائِلِينَ) تعجيب وإغراب وتعظيم للمراد المعنى بالخطاب ، وقد يكون معنى السواء زائدا إلى ما تقدم أن بهذه الأربعة الأيام استوت السنة مطالعها ومغاربها وقربها وبعدها وارتفاعها ونزولها في شمالي بروجها وجنوبيها باحكام ذلك كله وتوابعه ـ انتهى. ولما كانت السماوات أعظم من الأرض في ذاتها بنور أبنيتها واتساعها وزينتها ودوران أفلاكها وارتفاعها ، نبه على ذلك بالتعبير بأداة التراخي ، ولفظ الاستواء وحرف الغاية الدال على عظيم العناية فقال : (ثُمَّ اسْتَوى) أي قصد قصدا هو القصد منتهيا قصده (إِلَى السَّماءِ وَهِيَ) أي والحال أنها (دُخانٌ) بعد ما فتقها من الأرض ، قالوا : كان ذلك الدخان بخار الماء فهو مستعار من المرتفع من النار ، وهو تشبيه صوري ، فالسماء متقدمة في الدخانية على الأرض ، تقدم الذكر على الأنثى ثم خلقت ذات الأرض وبعد تصوير السماء وتتميمها دحيت أنثى الأرض وسويت لذكر السماء ، قال ابن برجان : فالذي يعتقد أن السماء أولا إيجادا وتتميما والأرض بعدها إيجادا ورتبة ، وأيام الخلق يومان لإيجاد الأرض ويومان لتسوية السماء بعد أن كانت دخانا ، ويومان لتتميم المنافع فتداخلت الأعداد لتداخل الأفعال ، (فَقالَ لَها) أي عقب هذا الاستواء (وَلِلْأَرْضِ) بعد خلقها وقبل دحوها : (ائْتِيا) أي تعاليا وأقبلا مواتيتين مقارنتين لما قدرته فيكما وأردته منكما من إخراج المنافع من المياه والنبات والمعادن وغيرها ، ووضع المصدر موضع الحال مبالغة فقال : (طَوْعاً أَوْ كَرْهاً) أي طائعتين أو كارهتين في إخراج ما أودعتكما من الأمانة في أوقاتها وعلى ما ينبغي من مقاديرها وهيآتها طوع تسخير لا تكليف (قالَتا أَتَيْنا) أي نحن وما فينا وما بيننا.
ولما جعلهما موضع المخاطبة التي هي للعقلاء والتكلم ، قال جامعا لهما باعتبار أفرادهما وما فيهما جمع من يعقل : (طائِعِينَ) أي في كل ما رسمته فينا لا نحمل من ذلك شيئا بل نبذله على ما أمرت به لا نغير ولا نبدل ، وذلك هو بذلهما للأمانة ، وعدم حملها ، وجمع الأمر لهما في الإخبار لا يدل على جمعه في الزمان ، بل قد يكون القول لهما متعاقبا (فَقَضاهُنَ) أي خلقهن وصنعهن حال كونهن معدودات (سَبْعَ سَماواتٍ)
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
