ولما كان حال الإنسان إن مال إلى جانب الخوف الهلع أو إلى جانب الرجاء البطر ، فكان لا يصلحه إلا الاعتدال ، بالتوسط الموصل إلى الكمال ، بما يكون لطبعه بمنزلة حفظ الصحة ودفع المرض لبدنه ، قال واصفا ل («قُرْآناً» بَشِيراً) أي لمن اتبع (وَنَذِيراً) أي لمن امتنع فانقطع. روى أبو نعيم في الحلية في ترجمة إمامنا الشافعي رضي الله عنه وأرضاه أنه روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال في خطبة له : وأعجب ما في الإنسان قلبه ، وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها إن سنح له الرجاء ادلهمه الطمع ، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص ، وإن ملكه اليأس قتله الأسف ، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ ، وإن سعد بالرضى نسي التحفظ ، وإن ناله الخوف شغله الحزن ، وإن أصابته مصيبة قصمه الجزع ، وإن أفاد مالا أطغاه الغنى ، وإن عضته فاقة شغله البلاء ، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف ، فكل تقصير به مضر وكل إفراط به مفسد.
ولما كانت عادتهم دوام الاحتياط في كل بشارة ونذارة بأمر دنيوي ، سبب عن هذا مخالفتهم لعادتهم في ترك الحزم بالجزم بالإعراض فقال : (فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ) أي عن تجويز شيء من بشائره أو نذائره (فَهُمْ) لذلك (لا يَسْمَعُونَ) أي يفعلون فعل من لا يسمع فهم لا يقبلون شيئا مما دعا إليه وحث عليه.
ولما أخبر عن إعراضهم ، أخبر عن مباعدتهم فيه فقال : (وَقالُوا) أي عند إعراضهم ممثلين لمباعدتهم في عدم قبولهم : (قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ) أي أغشية محيطة بها ، ولما كان السياق في الكهف للعظمة كان الأنسب له أداة الاستعلاء فقال (إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) وعبروا هنا بالظرف إبعادا لأن يسمعوا (مِمَّا) أي مبتدئة تلك الأغشية وناشئة من الأمر الذي (تَدْعُونا) أيها المخبر بأنه نبي (إِلَيْهِ) فلا سبيل له إلى الوصول إليها لنفيه أصلا. ولما كان القلب أفهم لما يرد إليه من جهة السمع قالوا : (وَفِي آذانِنا) التي هي أحد الطرق الموصلة إلى القلوب (وَقْرٌ) أي ثقل قد أصمها عن سماعه (وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ) أي ومبتدىء من الحد الذي فصلك منا والحد الذي فصلنا منك في منتصف المسافة في ذلك (حِجابٌ) ساتر كثيف ، فنحن لا نراك لنفهم عنك بالإشارة ، فانسدت طرق الفهم لما نقول (فَاعْمَلْ) أي بما تدين به. ولما كان تكرار الوعظ موضعا للرجاء في رجوع الموعوظ قطعوا ذلك الرجاء بالتأكيد بأداته ، وزادوه بالنون الثالثة والتعبير بالاسمية فقالوا : (إِنَّنا عامِلُونَ) أي بما ندين به فلا مواصلة بيننا بوجه ليستحي أحد منا من الآخر في عمله أو يرجع إليه ، ولو قال و (بَيْنِنا) من غير (مِنْ) لأفهم أن البينين بأسرهما حجاب ، فكان كل من الفريقين ملاصقا لبينه ، وهو نصف الفراغ الحاصل بينه
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
