النَّاسِ) [غافر : ٥٧] وهم غير آمنين من الأخذ من كلا الخلقين (إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ) [سبأ : ٩] ثم قال تعالى بعد هذا (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ) إن أمرهم لعجيب في صرفهم عن استيضاح الآيات بعد بيانها ، ثم ذكر تعالى سوء حالهم في العذاب الأخروي وواهي اعتذارهم بقولهم (ضَلُّوا عَنَّا بَلْ) لمن (نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً) [غافر : ٧٤] ثم صبر تعالى نبيه صلىاللهعليهوسلم بقوله : (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌ) [الروم : ٦٠] ثم أعاد تنبيههم فقال تعالى : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) إلى ختم السورة ، ولم يقع من هذا التنبيه الذي دارت عليه آي هذه السورة في سورة الزمر شيء ولا من تكرار التحذير من تكذيب الآيات ، فلما بنيت على هذا الغرض أعقبت بذكر الآية العظيمة التي تحديت بها العرب ، وقامت بها حجة الله سبحانه على الخلق ، وكان قيل لهم : احذروا ما قدم لكم ، فقد جاءكم محمد صلىاللهعليهوسلم بأوضح آية وأعظم برهان (تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً) وتضمنت هذه السورة العظيمة من بيان عظيم الكتاب وجلالة قدره وكبير الرحمة به ما لا يوجد في غيرها من أقرانها كما أنها في الفصاحة تبهر العقول بأول وهلة ، فلا يمكن العربي الفصيح في شاهد برهانها أدنى توقف ، ولا يجول في وهمه إلى معارضة بعض آيها أدنى تشوف ، وأنه لكتاب عزيز (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌ) فوبخهم سبحانه وتعالى وأدحض حجتهم وأرغم باطلهم وبكّت دعاويهم ثم قال (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) وقرعهم تعالى في ركيك جوابهم عن واضح حجته بقولهم (قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ) وقولهم (لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ) وهذه شهادة منهم على أنفسهم بالانقطاع عن معارضته ، وتسجيلهم بقوة عارضته ، ثم فضحهم بقوله (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ) ـ الآية ، وتحملت السورة مع هذا بيان هلاك من عاند وكذب ممن كان قبلهم وأشد قوة منهم ، وهم الذين قدم ذكرهم مجملا في سورة غافر في آيتي (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ أَفَلَمْ يَسِيرُوا) فقال تعالى مفصلا لبعض ذلك الإجمال (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ) ثم قال (فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) ثم قال تعالى (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً) الآية ، ثم قال (وَأَمَّا ثَمُودُ) فبين تعالى حالهم وأخذهم ، فاعتضد التحام السورتين ، واتصال المقصدين ـ والله أعلم ـ انتهى.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
