وكان عظم العزة بحسب عظمة المأخوذ بها المعاند لها ، كرر ذكر المجادلة في هذه السورة تكريرا أذن بذلك فقال في أولها (ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) ثم دل على أنهم مأخوذون من غير أن يغني عنهم جدالهم الذي أنتجه ضلالهم ، وعلى توابع ذلك ترغيبا وترهيبا إلى أن قال (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ) وذكر بعض ما اشتد إلفهم له حتى سقطت غرابته عندهم ، فنبههم على ما فيه ليكفهم عن الجدال ويغتنوا به عن اقتراح غيره ، ثم ذكر قصة موسى عليه الصلاة والسّلام مذكرا لهم ما حصل من تعذيب المكذبين المجادلين بعد وقوع ما اقترحوا من الآيات بقولهم (فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) ومضى يذكر وينذر ويحذر في تلك الأساليب التي هي أمضى من السيوف ، وأجلى من الشموس في الصحو دون الكسوف ، حتى قال (الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا) ثم شرع في إتمام قصة موسى عليهالسلام إلى أن قال (إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ) ثم شرع يعدد الآيات العظيمة التي تأبى لشدة وضوحها جدال المجادل ، وضلال المماحك المماحل ، لو لا أنه قد أخرجتها شدة الإلف لها من حيز الغرابة من خلق الخافقين وتكوير الملوين ، وبسط الأرض ورفع السماء وتصوير الإنسان وما فيه من عظم الشأن ، فكشف ستورها ، وبين دلالتها وظهورها ، ولفت الكلام إلى تهديد المجادلين بقوله منكرا عليهم (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ) على عادة البلغاء في أنه إذا أخرس أحدهم خصمه بما هو من حججه كالشمس نورا وطلعة وظهورا أنكر بالاستفهام الذي هو أمر من وقع السهام. فلما ثبت بذلك عنادهم وغلظتهم وقوتهم في لددهم واشتدادهم ، بين جهلهم بذلهم عند ما بدا لهم وبال أمرهم وحان أن تبرك عليهم أثقال العذاب الفائتة للقوى ، فحلت ما أحكموا عقده من شرهم ، فقال مبينا لما أجمل من الحيق مسببا عنه لافتا القول إلى مظهر العظمة ترهيبا : (فَلَمَّا رَأَوْا) أي عاينوا (بَأْسَنا) أي عذابنا الشديد على ما له من العظمة التي أدنت بها نسبته إلينا وصدوره عنا (قالُوا آمَنَّا بِاللهِ) أي الذي له مجامع العظمة ، ومعاقد العز ونفوذ الكلمة ، كما ظهر لنا في هذا البأس من غير إشكال ولا إلباس ، وأكدوا ذلك نافين لما كانوا فيه من الشرك : بقولهم (وَحْدَهُ) ودل على انحلال عراهم ووهي قواهم بزيادة التصريح في قولهم : (وَكَفَرْنا بِما كُنَّا) أي جبلة وطبعا (بِهِ مُشْرِكِينَ) لأنا علمنا أنه لا يغني من دون الله شيء.
(فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥))
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
