الحياة الدنيا وقناعة بالفاني كما قال في التي قبلها (ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ) [الزمر : ٤٩] وكما قال قارون لما قيل له (وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ) : «قال» : (إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي) وفرحهم به لأنه أداهم إلى التوسع في الدنيا والتلذذ بما فيها واستهزؤوا بما اتتهم به الرسل من علم الباطن الداعي إلى الإعراض عن الفاني والإقبال على الباقي والخوف مما بعد الموت من الأمور الغائبة والأهوال الآتية والكوائن العظيمة المستورة بحجاب هذه الحياة الدنيا الواهي ، على ما فيها من الذوات والمعاني والأحوال والأوجال والدواهي ، والذي حركهم إلى الفرح بما عندهم هو ما هم فيه من الزهرة مع ما يرون من تقلل الرسل وأتباعهم من الدنيا ، وإسراع المصائب إليهم ، وكثرة ما يعانونه من الهموم والأنكاد ، ويكابدونه من الأنداد والأضداد ، فاشتد استهزاؤهم بهم وبما أتوا به بعدّهم ذلك محالا وباطلا وضلالا ، وكانوا لا ينفكون من فعل الفرح الأشر البطر بالتضاحك والتمايل كما قال الله تعالى (فَلَمَّا جاءَهُمْ إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ) ونصبوا للرسل واتباعهم المكايد ، وأحاطوا بهم المكر والغوايل ، وهموا بأخذهم فأنجينا رسلنا ومن آمن بهم منهم وأتيناهم بما أزال فرحهم ، وأطال غمهم وترحهم (وَحاقَ) أي أحاط على وجه الشدة (بِهِمْ ما كانُوا) أي عادة مستمرة.
ولما كان استهزاؤهم بالحق عظيما جدا ، عد استهزاءهم بغيره عدما ، وأشار إلى ذلك بتقديم الجار فقال : (بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) من الوعيد الذي كانوا قاطعين ببطلانه فعلم قطعا أنه إنما يفرح من العلم بما تضمن النجاة والسعادة الأبدية على أن سوق الكلام هكذا مليء بالاستهزاء بهم والتهكم عليهم لأنهم نصبوا أنفسهم منصب العالم المطيق المنطيق الذي إذا غلب خصمه فأسكته وألقمه الحجر فأخرسه وأفحمه بواضح الحجة وقويم المحجة ظهر عليه السرور وغلبه الفرح فإن عاند خصمه ووقف مع وهمه استهزأ به وتضاحك منه ـ هذا مع ما عنده من عمايات الجهل التي لا يقدرون على إنكارها بدليل اعتراف هؤلاء الذين أرسل إليهم هذا النبي الكريم أن أهل الكتاب أعلم منهم ، فكانوا يوجهون ركابهم إلى اليهود يسألونهم عن أمرهم وأمره على أنه قد أتاهم بما يعلي به قدرهم على أهل الكتاب ، ويجعلهم المخصوصين بالسيادة على مر الأحقاب ، وهم يأبون بمجادلتهم بالباطل إلا سفولا وإعراضا عن الصواب ، وعدولا ونكوصا ونكولا ، والآية مرشدة إلى أنه لا يتعلم إلا من ظن من نفسه القصور ، ولهذا كان أقبل شيء للعلم الصغار ، والآية من الاحتباك : إثبات الفرح أولا دليل على حذف ضده ثانيا ، وإثبات الاستهزاء ثانيا دليل على حذف مثله أولا.
ولما كانت هذه السورة فى بيان العزة التي هي نتيجة كمال العلم وشمول القدرة ،
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
