الأمر عظما لمزيد الخوف والرجاء بالإظهار دون الإضمار فقال : (أَمْرُ اللهِ) أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما ، وأمره ما توعد به من العذاب عند العناد بعد الإجابة إلى المقترح ، ومن القيامة وما فيها ، وتكرير الاسم الأعظم لتعظيم المقام باستحضار ما له من صفات الجلال والإكرام ، ولثبات ما أراد ولزومه عبر عنه بالقضاء ، فقال مشعرا بصيغة المفعول بغاية السهولة : (قُضِيَ) أي بأمره على أيسر وجه وأسهله (بِالْحَقِ) أي الأمر الثابت الذي تقدم الوعد به وحكم بثبوته من إهلاك ناس وإنجاء آخرين أو إيمان قوم وكفر آخرين ـ هذا كله هو الذي أجرى سبحانه سنته القديمة بثبوته ، وأما الفضل من الإمهال والتطول بالنعم فإنما هو قبل الإجابة إلى المقترحات ، والدليل على أن هذا من مراد الآية ما يأتي من قوله : (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا) وما أشبهه (وَخَسِرَ) أي هلك أو تحقق وتبين بالمشاهدة أنه خسر (هُنالِكَ) أي في ذلك الوقت العظيم بعظمة ما أنزلنا فيه ، ظرف مكان استعير للزمان إيذانا بغاية الثبات والتمكن في الخسار تمكن الجالس (الْمُبْطِلُونَ) أي المنسوبون إلى إيثار الباطل على الحق ، إما باقتراح الآيات مع إتيانهم بما يغنيهم عنها وتسميتهم له سحرا أو بغير ذلك ، إما بتيسرهم على الرجوع عما هم فيه من العناد من غير إذعان وإما بالهلاك ، وإما بإدحاض الحجج والحكم عليهم بالغلب ثم النار ولو بعد حين ، ومن هذه الآية أخذ سبحانه في رد مقطع السورة على مطلعها ، فهذه الآية ناظرة إلى قوله تعالى (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ) إلى (وَجادَلُوا بِالْباطِلِ) و (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) إلى (فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ) وهذا وما بعده مما اشتمل عليه من الحكمة والقدرة إلى الثلاث الآيات الأول.
ولما كان المبطلون ليسوا أشد نفرة ولا أقوى من بعض الحيوانات العجم ، دل على ما أخبر به من نافذ نصرته فيهم بقوله مذكرا لهم بنعمته مستعطفا إلى طاعته دالا على التوحيد بعد تليينهم بالوعيد مظهرا الاسم الجامع إشارة إلى أن ما في هذه الآية من الدلالات لا يحصى : (اللهُ) أي الملك الأعظم (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ) لا غيره (الْأَنْعامَ) أي الأزواج الثمانية بالتذليل والتسخير (لِتَرْكَبُوا مِنْها) وهي الإبل مع قوتها ونفرتها ، والتعبير باللام في الركوب مطلقا ثم فيه مقيدا ببلوغ الأماكن الشاسعة إشارة إلى أن ذلك هو المقصود منها بالذات ، وهو الذي اقتضى تركيبها على ما هي عليه ، فنشأ منه بقية المنافع فكانت تابعة. ولما كان الاقتيات منها ـ في عظيم نفعه وكثرته وشهوته ـ بحيث لا يناسبه غيره ، عد الغير عدما فقال تعالى : (وَمِنْها) أي من الأنعام كلها (تَأْكُلُونَ) بتقديم الجار.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
