قطعا قوله : (إِنَّ السَّاعَةَ) أي القيامة التي يجادله فيها المجادلون (لَآتِيَةٌ) وعزتي! للحكم بالعدل في المقاوتة بين المسيء والمحسن لأنه لا يسوغ في الحكمة عند أحد من الخلق أن يساوي أحد بين محسن عبيده ومسيئهم ، فكيف يظن ذلك بأحكم الحاكمين الذي نشاهده يميت المسيء وهو في غاية النعمة والمعصية ، والمحسن وهو في غاية البلاء والطاعة ، والمظلوم قبل أن ينتصف من الظالم ، ولهذا الأمر الظاهر قال : (لا رَيْبَ فِيها) أي لا شك في إتيانها بوجه من الوجوه ، لأفضي فيها بالعدل فأدخل فيها ناسا دار رحمتي ، وآخرين دار نقمتي.
ولما وصل الحال في أمرها إلى حد لا خفاء به أصلا ، نفى الإيمان دون العلم فقال تعالى : (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ) أي بما فيهم من النوس وهو الاضطراب ، وراعى معنى الأكثر فجمع لأن الجمع أدل على المراد وأقعد في التبكيت : (لا يُؤْمِنُونَ) أي لا يجعلون المخبر لهم بإتيانها آمنا من التكذيب مع وضوح علمها لديهم ، وما ذاك إلا لعناد بعضهم وقصور نظر الباقين على الحس.
ولما كان التقدير : فعل ذلك ربكم ليقضي بين عباده بالعدل فيدخل المحسن الجنة نصرة له ، والمسيء النار خذلانا وإهانة له ، لما برز به وعده من أنه ينصر رسله وأتباعهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، وقال لعباده كلهم : آمنوا لأسلمكم من غوائل تلك الدار ، عطف عليه قوله : (وَقالَ رَبُّكُمُ) أي المحسن إليكم بهدايتكم ووعدكم النصرة : (ادْعُونِي) أي استجيبوا لي بأن تعبدوني وحدي فتسألوني ما وعدتكم به من النصرة على وجه العبادة ، وهذا معنى قوله صلىاللهعليهوسلم «الدعاء هو العبادة» فقد حصر الدعاء في العبادة سواء كانت بدعاء أو صلاة أو غيرهما ، فمن كان عابدا خاضعا لله تعالى بسؤال أو غيره كانت عبادته دعاء ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : وحدوني أغفر لكم. وعن الثوري أنه قيل له : ادع ، فقال : إن ترك الذنوب هو الدعاء. (أَسْتَجِبْ) أي أوجد الإجابة إيجادا عظيما كأنه ممن يطلب ذلك بغاية الرغبة فيه (لَكُمُ) في الدنيا أي بإيجاد ما دعوتم به ، أو كشف مثله من الضر ، أو إدخاره في الآخرة ، ليظهر الفرق بين من له الدعوة ومن ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة ، ولا تتكلوا على ما سبق به الوعد فتتركوا الدعاء فتتركوا العبادة التي الدعاء مخها ، فكل ميسر لما خلق له ، قال القشيري ، وقيل : الدعاء مفتاح الإجابة ، وأسنانه لقمة الحلال ـ انتهى ـ والآية بمعنى آية البقرة (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) [آية : ١٨٦].
ولما كان السبب في ترك الدعاء في العادة الكبر ، فكان كأنه قيل : ولا تتركوا دعائي تكونوا مستكبرين ، علله ترهيبا في طيه ترغيب بقوله : (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ) أي
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
