وينادي المنادي (يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ) [الرحمن : ٣٣].
ولما كان المدبر إنما يقصد في إدباره معقلا يمنعه ويستره أو فئة تحميه وتنصره ، قال مبينا حالهم : (ما لَكُمْ مِنَ اللهِ) أي الملك الجبار الذي لا ند له ، وأعرق في النفي فقال : (مِنْ عاصِمٍ) أي مانع يمنعكم مما يراد بكم فما لكم من عاصم أصلا ، فإنه سبحانه يجير ولا يجار عليه.
ولما كان التقدير : لضلالكم في الدنيا فإن حالكم في ذلك اليوم مكتسب من احوالكم في هذا اليوم ، عطف عليه قوله معمما : (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ) أي الملك المحيط بكل شيء الباطن في اردية الجلال الظاهر في مظاهر القهر والجمال ، إضلالا جبله عليه فهو في غاية البيان ـ بما أشار إليه الفلك (فَما لَهُ مِنْ هادٍ) أي إلى شيء ينفعه بوجه من الوجوه ، وأما الضلال العارض فيزيله الله لمن يشاء من عباده ، وهذا لا يعرف إلا بالخاتمة كما قاله الإمام ابو الحسن الأشعري : فمن مات على شيء فهو مجبول عليه.
ولما كان حاصل ما مضى من حالهم في أمر موسى عليهالسلام أنه جاءهم بالبينات فشكوا فيها ، وختم بتحذيرهم من عذاب الدنيا والآخرة ، عطف عليه شك آبائهم في مثل ذلك ، فقال مبينا أنهم مستحقون لما حذر منه من العذاب ليشكروا نعمة الله في إمهاله إياهم ويحذروا نقمته إن تمادوا وأكد لأجل إنكارهم أن يكونوا أتوا ببينة ، وافتتح بحرف التوقع لأن حالهم اقتضت توقع ذلك ودعت إليه : (وَلَقَدْ جاءَكُمْ) أي جاء آباءكم يا معشر القبط ، ولكنه عبر بذلك دلالة على أنهم على مذهب الآباء كما جرت به العادة من التقليد ، ومن أنهم على طبائعهم لا سيما إن كانوا لم يفارقوا مساكنهم : (يُوسُفُ) أي نبي الله ابن نبي الله يعقوب ابن نبي الله إسحاق بن خليل الله إبراهيم عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم.
ولما لم يكن مجيئه مستغرقا لما تقدم موسى عليهالسلام من الزمان أدخل الجار فقال : (مِنْ قَبْلُ) أي قبل زمن موسى عليهالسلام : (بِالْبَيِّناتِ) أي الآيات الظاهرات ولا سيما في أمر يوم التناد (فَما زِلْتُمْ) بكسر الزاي من زال يزال أي ما برحتم أنتم تبعا لآبائكم (فِي شَكٍ) أي محيط بكم لم تصلوا إلى رتبة الظن (مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ) من التوحيد وما يتبعه ، ودل على تمادي شكهم بقوله : (حَتَّى إِذا هَلَكَ) وكأنه عبر بالهلاك إيهاما لهم أنه غير معظم له ، وأنه إنما يقول ما يشعر بالتعظيم لأجل محض النصيحة والنظر في العاقبة (قُلْتُمْ) أي من عند أنفسكم بغير دليل كراهة لما جاء به وتضجرا منه جهلا بالله تعالى : (لَنْ يَبْعَثَ اللهُ) أي الذي له صفات الكمال.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
