ضرر ، ولم يقل : أو صادقا ، وإن كان الحال مقتضيا لغاية الإيجاز لئلا يكون قد نقص الجانب المقصود بالذات حقه ، فيكون قد أخل ببعض الأدب ، فقال مظهرا لفعل الكون عادلا عما له إلى ما عليهم معادلا لما ذكره عليه ونقصه عنه إظهارا للنصفة ودفعا للتهمة عن نفسه : (وَإِنْ يَكُ) حذف نونه لمثل ما مضى (صادِقاً يُصِبْكُمْ) أي على وجه العقوبة من الله وله صدقه ينفعه ولا ينفعكم شيئا.
ولما كان العاقل من نظر لنفسه فلم يرد كلام خصمه من غير حجة ، وكان أقل ما يكون من توعد من بانت مخايل صدقه البعض ، قال ملزما الحجة بالبعض ، غير ناف لما فوقه إظهارا للانصاف وأنه لم يوصله حقه فضلا عن التعصب له نفيا للتهمة عن نفسه : (بَعْضُ الَّذِي) وقال : (يَعِدُكُمْ) دون «يوعدكم» إشارة إلى أنهم إن وافوه أصابهم جميع ما وعدهموه من الخير ، وإلا دهاهم ما توعدهم من الشر ، والآية من الاحتباك : ذكر اختصاصه بضر الكذب أولا دليلا على ضده وهو اختصاصه بنفع الصدق ثانيا ، وإصابتهم ثانيا دليلا على إصابته أولا ، وسره أنه ذكر الضار في الموضعين ، لأنه أنفع في الوعظ لأن من شأن النفس الإسراع في الهرب منه ، ولقد قام أعظم من هذا المقام ـ كما في الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ـ أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو مظهر إيمانه وقد جد الجد بتحقق الشروع في الفعل حيث أخذ المشركون بمجامع ثوب النبي صلىاللهعليهوسلم وهو يطوف بالبيت فالتزمه أبو بكر رضي الله عنه وهو يقول هذه الآية ، ودموعه تجري على لحيته حتى فرج الله وقد مزقوا كثيرا من شعر رأسه ـ رضي الله عنه (١).
ولما كان فرعون قد نسب موسى عليه الصلاة والسّلام بما زعمه من إرادته إظهار الفساد إلى الإسراف بعد ما نسبه إليه من الكذب ، علل هذا المؤمن قوله هذا الحسن في شقي التقسيم بما ينطبق إلى فرعون منفرا منه مع صلاحيته لإرادة موسى عليه الصلاة والسّلام على ما زعمه فيه فرعون فقال : (إِنَّ اللهَ) أي الذي له مجامع العظمة ومعاقد العز (لا يَهْدِي) أي إلى ارتكاب ما ينفع واجتناب ما يضر (مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ) أي بإظهار الفساد متجاوز للحد ، وكأنه رضي الله عنه جوز أن يتأخر شيء مما توعد به فيسموه كذبا ، ولذا قال (يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) فعلق الأمر بالمبالغة فقال : (كَذَّابٌ) لأن أول خذلانه وضلاله تعمقه في الكذب ، ويهدي من هو مقتصد صادق ، فإن كان كاذبا كما زعمتم ضره كذبه ، ولم يهتد لوجه يخلصه ، وإن كان صادقا أصابتكم العقوبة ولم تهتدوا لما ينجيكم ، لاتصافكم بالوصفين.
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٤٨١٥ وأحمد ٢ / ٢١٨ من حديث عمرو بن العاص.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
