والتباغض والنجاة من النار باجتناب السيئات ولذلك قالوا : (وَذلِكَ) أي الأمر العظيم جدا (هُوَ) أي وحده (الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) فالآية من الاحتباك : ذكر إدخال الجنات أولا دليلا على حذف النجاة من النار ثانيا ، ووقاية السيئات ثانيا دليلا على التوفيق للصالحات أولا ، وسر ذلك التشويق إلى المحبوب ـ وهو الجنان ـ بعمل المحبوب ـ وهو الصالح ـ والتنفير من النيران باجتناب الممقوت من الأعمال ، وهو السيء ، فذكر المسبب أولا وحذف السبب لأنه لا سبب في الحقيقة إلا الرحمة ، وذكر السبب ثانيا في إدخال النار وحذف المسبب.
ولما أتم حال الذين آمنوا ، فتشوفت النفس إلى معرفة ما لأضدادهم ، قال مستأنفا مؤكدا لإنكارهم هذه المناداة بانكار يومها : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي أوقعوا الكفر ولو لحظة (يُنادَوْنَ) أي يوم القيامة بنداء يناديهم به من أراد الله من جنوده أو في هذه الدار بلسان الحال بهذا الكلام. ولما كان عندهم ـ لكونهم في هذه الدار أرفع نعما ـ أنهم آثر عند الله من فقراء المؤمنين ، أكد قوله : (لَمَقْتُ اللهِ) أي الملك الأعظم إياكم بخذلانكم (أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ) وقوله : (أَنْفُسَكُمْ) مثل قوله تعالى : (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ) جاز على سبيل الإشارة إلى تنزه الحضرة المقدسة عما لزم فعلهم من المقت ، فإن من دعا إلى أحد فأعرض عنه إلى غيره كان إعراضه مقتا للمعرض عنه ، وهذا المقت منهم الموجب لمقت الله لهم موصل لهم إلى عذاب يمقتون به أنفسهم ، والمقت أشد البغض ؛ ثم ذكر ظرف مقتهم العائد وباله عليهم بقوله : (إِذْ) أي حين ، وأشار إلى أن الإيمان لظهور دلائله ينبغي أن يقبل من أي داع كان ، فبنى الفعل لما لم يسم فاعله فقال : (تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ) أي بالله وما جاء من عنده (فَتَكْفُرُونَ) أي فتوقعون الكفر الذي هو تغطية الآيات موضع إظهارها والإذعان بها ، وهذا أعظم العقاب عند أولي الألباب ، لأن من علم أن مولاه عليه غضبان علم أنه لا ينفعه بكاء ولا يغني عنه شفاعة ولا حيلة في خلاصه بوجه.
ولما كان من أعظم ذنوبهم إنكار البعث ، وكانوا قد استقروا العوائد ، وسبروا ما جرت به الأقدار في الدهور والمدائد ، من أن كل ثان لا بد له من ثالث ، وكان الإحياء لا يطلق عرفا إلا من كان عن موت ، حكى سبحانه جوابهم بقوله الذي محطه الإقرار بالبعث والترفق بالاعتراف بالذنب حيث لا ينفع لفوات شرطه وهو الغيب : (قالُوا رَبَّنا) أي أيها المحسن إلينا بما تقدم في دار الدنيا (أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ) قيل : واحدة عند انقضاء الآجال في الحياة الدنيا وأخرى بالصعق بعد البعث أو الإرقاد بعد سؤال القبر ، والصحيح أن تفسيرها آية البقرة (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَ
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
