مع كثرتهم إلى حد لا يحصيه إلا الله ، لا يملؤون ما حوله ، حال كونهم (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ) وصرف القول إلى وصف الإحسان مدحا لهم بالتشمير لشكر المنعم وتدريبا لغيرهم فقال : (رَبِّهِمْ) أي يبالغون في التنزيه عن النقص بأن يتوهم متوهم أنه محتاج إلى عرش أو غيره ، وأن يحويه مكان متلبسين بإثبات الكمال للمحسن إليهم بإلزامهم بالعبادة من غير شاغل يشغلهم ، ولا منازع من شهوة أو حظ يغفلهم ، تلذذا بذكره وتشرفا بتقديسه ، ولأن حقه إظهار تعظيمه على الدوام كما أنه متصل الإنعام.
ولما تقدم ذكر الحكم بين أهل الشهوات بما برز عليهم من الشهادات ، ذكر هنا الحكم بينهم وبين الملائكة الذين فاوضوا في أصل خلقهم بقولهم (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ) الآية فقال : (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) أي بين أهل الشهوات وأهل العصمة والثبات. ولما كان السياق عاما في الترغيب والترهيب عدلا وفضلا ، بخلاف سياق سورة يونس عليهالسلام ، قال : (بِالْحَقِ) بأن طوبق بما أنزلنا فيهم في الكتب التي وضعناها لحسابهم الواقع ، فمن طغى منهم أسكناه لظى بعدلنا ، ومن اتقى نعمناه في جنة المأوى بفضلنا ، لجهادهم ما فيهم من الشهوات حتى ثبتوا على الطاعات ، مع ما ينزعهم من الطبائع إلى الجهالات ، وأما الملائكة فأبقيناهم على حالهم في العبادات : (وَقِيلَ) أي من كل قائل : آخر الأمور كلها (الْحَمْدُ) أي الإحاطة بجميع أوصاف الكمال ، وعدل بالقول إلى ما هو حق بهذا المقام فقال : (لِلَّهِ) ذي الجلال والإكرام ، علمنا ذلك في هذا اليوم عين اليقين كما كنا في الدنيا نعلمه علم اليقين.
ولما كان ذلك اليوم أحق الأيام بمعرفة شمول الربوبية لاجتماع الخلائق وانفتاح البصائر وسعة الضمائر ، قال واصفا له سبحانه بأقرب الصفات إلى الاسم الأعظم : (رَبِّ الْعالَمِينَ) أي الذي ابتدأهم ، أولا من العدم وأقامهم ثانيا بما رباهم به من التدبير ، وأعادهم ثالثا بعد إفنائهم بأكمل قضاء وتقدير ، وأبقاهم رابعا لا إلى خير ، فقد حقق وعده كما أنزل في كتابه وصدق وعيده لأعدائه كما قال في كتابه ، فتحقق أنه تنزيله ، فقد ختم الأمر بإثبات الكمال باسم الحمد عند دخول الجنان والنيران كما ابتدأ به عند ابتداء الخلق في أول الإنعام ، فله الإحاطة بالكمال في أن الأمر كما قال كتابه على كل حال ، فقد انطبق آخرها على أولها بأن الكتاب تنزيله لمطابقة كل ما فيه للواقع عند ما يأتي تأويله ، وبأن الكتاب الحامل على التقوى المسببة للجنة أنزل للإبقاء الأول ، فمن أتبعه كان له سببا للإبقاء الثاني ، وهذا الآخر هو عين أول سورة غافر فسبحان من أنزله معجزا نظامه ، فائتا القوى أول كل شيء منه وختامه ، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وأهل بيته الطيبين الطاهرين وصحابته أجمعين.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
