ولما أمر برؤية الأمور كلها من الله وإسلام القياد كله إليه ، أمر بما هو أعلى من ذلك ، وهو المجاهدة بقتل النفس فقال : (وَاتَّبِعُوا) أي عالجوا أنفسكم وكلفوها أن تتبع (أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ) واصلا (إِلَيْكُمْ) على سبيل العدل كالإحسان الذي هو أعلى من العفو الذي هو فوق الانتقام باتباع هذا القرآن الذي هو أحسن ما نزل من كتب الله وباتباع أحاسن ما فيه ، فتصل من قطعك وتعطي من حرمك وتحسن إلى من ظلمك ، هذا في حق الخلائق ومثله في عبادة الخالق بأن تكون «كأنك تراه» الذي هو أعلى من استحضار «إنه يراك» الذي هو أعلى من أدائها مع الغفلة عن ذلك.
ولما كان هذا شديدا على النفس ، رغب فيه بقوله مظهرا صفة الإحسان موضع الإضمار : (مِنْ رَبِّكُمْ) أي الذي لم يزل يحسن إليكم وأنتم تبارزونه بالعظائم. ولما كان من النفوس ما هو كالبهائم لا ينقاد إلا بالضرب ، قال منبها أيضا على رفقه بإثبات الجار : (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ) أي على ما بكم من العجز عن الدفاع (الْعَذابُ) أي الأمر الذي يزيل ما يعذب ويحلو لكم في الدنيا أو في الآخرة. ولما كان الأخذ على غرة أصعب على النفوس قال : (بَغْتَةً) ولما كان الإنسان قد يشعر بالشيء مرة ثم ينساه فيباغته ، نفى ذلك بقوله : (وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) أي ليس عندكم شعور بإتيانه لا في حال إتيانه ولا قبله بوجه من الوجوه لفرط غفلتكم ، ليكون أفظع ما يكون على النفس لشدة مخالفته لما هو مستقر فيها وهي متوطنة عليه من ضده.
ولما كان للإنسان عند وقوع الخسران أقوال وأحوال لو تخيلها قبل هجومه لحسب حسابه فباعد أسبابه. علل الإقبال على الاتباع بغاية الجهد والنزاع فقال : (أَنْ) أي كراهة أن (تَقُولَ) ولما كان الموقع للإنسان في النقصان إنما هو حظوظه وشهواته المخالفة لعقله ، عبر بقوله : (نَفْسٌ) أي عند وقوع العذاب لها ، وإفرادها وتنكيرها كاف في الوعيد لأن كل أحد يجوز أن يكون هو المراد (يا حَسْرَتى) والتحسر : الاغتمام على ما فات والتندم عليه ، وألحق الألف بدلا من الياء تعظيما له ، أي يا طول غماه لانكشاف ما فيه صلاحي عني وبعده مني فلا وصول لي إليه لاستدراك ما فات منه ، وذلك عند انكشاف أحوالها ، وحلول أوجالها وأهوالها ، ودل على تجاوز هذا التحسر الحد قراءة أبي جعفر «حسرتاي» بالجمع بين العوض وهو الألف والمعوض عنه وهو الياء ، وحل المصدر لأن ما حل إليه أصرح في الإسناد وأفخم ، وأدل على المراد وأعظم ، فقال : (عَلى ما فَرَّطْتُ) أي بما ضيعت فانفرط مني نظامه ، وتعذر انضمامه والتئامه.
ولما كان حق كل أحد قريبا منه حسا أو معنى حتى كأنه إلى جنبه ، وكان بالجنب قوام الشيء ولكنه قد يفرط فيه لكونه منحرفا عن الوجاه والعيان ، فيدل التفريط فيه على
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
