رضي الله عنه حيث قال : الله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس ، فقال : اللهم نعم (١) ـ إلى آخر ما قال له ، وسره أن المسؤول إذا ذكر الله في جوابه. كان ذكره إياه أبعث للسائل على تصديقه لأنه أوقر في صدره إن لم يتصد لذكر الله ولم يكن بصدده ، وهو ممن يدين باستعمال الكذب ، والثاني أن يدل به على الندرة وقلة وقوع المذكور كقول المصنفين : لا يكون كذا اللهم إلا إذا كان كذا ـ كأنه استغفر الله من جزمه أو لا يسد الباب في أنه لا يكون غير ما ذكره فقال : اللهم اغفر لي ، فإنه يمكن أن يكون كذا ـ انتهى. ثم أبدل عند سيبويه ووصف عند غيره فقال : (فاطِرَ) أي مبدع من العدم (السَّماواتِ) أي كلهم (وَالْأَرْضِ) أي جنسها. ولما كانت القدرة لا تتم إلا بتمام العلم قال : (عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) أي ما لا يصح علمه للخلق وما يصح.
ولما كان غيره سبحانه لا يمكن له ذلك ، حسن التخصيص في قوله : (أَنْتَ) أي وحدك (تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ) أي أنا وهم وغيرنا في الدنيا والآخرة لا محيص عن ذلك ولا يصح في الحكمة سواه كما أن كل أحد يحكم بين عبيده ومن تحت أمره لا يسوغ في رأيه غير ذلك (فِي ما كانُوا) أي دائما بما اقتضته جبلاتهم التي جبلتهم عليها (فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) وأما غيرك فإنه لا يعلم جميع ما يفعلون ، فلا يقدر على الحكم بينهم ، وأما غير ما هم عريقون في الاختلاف فيه فلا يحكم بينهم فيه لأنه أما ما هيؤوا بفطرهم السليمة وعقولهم القويمة للاتفاق عليه فهو الحق ، وأما ما يعرض لهم الاختلاف فيه لا على سبيل القصد أو بقصد غير ثابت فهو مما تذهبه الحسنات فعرف أن تقديم الظرف إنما هو للاختصاص لا للفاصلة.
ولما كان التقدير : فيعذب الظالمين فلو علموا ذلك لما ظنوا بادعائهم له سبحانه ولدا وشركاء يقربونهم إليه زلفى جهلا منهم بجلاله ونزاهته عما ادعوه له وكماله ، عطف عليه تهويلا للأمر قوله : (وَلَوْ أَنَ) وكان الأصل : لهم ـ ولكنه قال تعميما وتعليقا بالوصف : (لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) أي وقعوا في الظلم في شيء من الأشياء ولو قال (ما فِي الْأَرْضِ) ولما كان الأمر عظيما أكد ذلك بقوله : (جَمِيعاً) وزاد في تعظيمه بقوله : (وَمِثْلَهُ) وقال : (مَعَهُ) ليفهم بدل الكل جملة لا على سبيل التقطيع (لَافْتَدَوْا) أي لاجتهدوا في طلب أن يفدوا (بِهِ) أنفسهم (مِنْ سُوءِ الْعَذابِ) وبين الوقت تعظيما له وزيادة في هوله فقال : (يَوْمَ الْقِيامَةِ) روى الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلىاللهعليهوسلم
__________________
(١) أخرجه البخاري ٦٣ وأحمد ٣ / ١٦٨ ومسلم (١٢) وأبو داود ٤٨٦ وابن حبان ١٥٥ و ١٥٦ وابن أبي شيبة ١١ / ٩ والبغوي (٣) وابن منده ١٢٩ وأبو عوانة ١ / ٢ عن أنس رضي الله تعالى عنه وللحديث قصة جميلة راجعها إن شئت!
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
