الاستفهام الإنكاري قطعا : لا سواء ، بل مثل الرجل السالم في غاية الحسن فكذا ممثوله وهو القانت المخلص ، ومثل الرجل الذي وقع فيه التشاكس في غاية القبح فكذا ممثوله وهو الداعي للأنداد.
ولما علم بهذا المثل المضروب للرجلين سفول المشترك وهو الداعي للأنداد ، وعلو السالم وهو القانت ، ظهر بذلك بلا ريب حقارة المتشاركين وجلالة المتفرد وهو الله ، فأنتج قطعا قوله : (الْحَمْدُ) أي الإحاطة بأوصاف الكمال (لِلَّهِ) الذي لا مكافىء له ، يعلم ذلك كل أحد لما له من الظهور لما عليه من الدلائل ، فلا يصح أن يكون له شريك (بَلْ أَكْثَرُهُمْ) أي الناس (لا يَعْلَمُونَ) لأنهم يعملون بما لا يليق بهذا العلم فيشركون به إما جليا وإما خفيا ، ويجوز أن يقال : له الكمال كله ، فليس الملتفتون إلى غيره أدنى التفات علماء ، بل لا علم لهم أصلا ، وهم المشركون شركا جليا ، وأما أصحاب الشرك الخفي فهم ، وإن كان لهم علم ـ فليس بكامل.
ولما كان السالم مثلا له صلىاللهعليهوسلم ولأتباعه ، والآخر للمخالفين ، وكان سبحانه قد أثبت جهلهم ، وكان الجاهل ذا حمية وإباء لما يدعى إليه من الحق وعصبيته :
والجاهلون لأهل العلم اعداء
فكان لذلك التفكر في أمرهم وما يؤدي إليه من التقاعد عن الأتباع والتصويب بالأذى ولا سيما وهم أكثر من أهل العلم مؤديا إلى الأسف وشديد القلق فكان موضع أن يقال : فما يعمل؟ وكان لا ينبغي في الحقيقة أن يقلق إلا من ظن دوام النكد ، قال تعالى مسليا ومعزيا وموسيا في سياق التأكيد ، تنبيها على أن من قلق كان حاله مقتضيا لإنكار انقطاع التأكيد : (إِنَّكَ) فخصه صلىاللهعليهوسلم لأن الخطاب إذا كان للرأس كان أصدع لأتباعه ، فكل موضع كان للأتباع وخص فيه صلىاللهعليهوسلم بالخطاب دونهم فهم المخاطبون في الحقيقة على وجه أبلغ.
ولما لم يكن لممكن من نفسه إلا العدم قال : (مَيِّتٌ) أي الآن لأن هذه صفة لازمة بخلاف «مايت» يعني : فكن كالميت بين يدي الغاسل فإنك مستريح قريبا عما تقاسي من أنكادهم ، وراجع إلى ربك ليجازيك على طاعتك له (وَإِنَّهُمْ) أي العباد كلهم أتباعك وغيرهم (مَيِّتُونَ) فمنقطع ما هم فيه من اللدد والعيش والرغد.
ولما كان الشفاء الكامل إنما يكون بأخذ الثار ، وإذلال الظالم ، قال مشيرا بأداة التراخي إلى مدة البرزخ مؤكدا لأجل إنكارهم البعث فضلا عن القصاص صادعا لهم بالخطاب بعد الغيبة : (ثُمَّ إِنَّكُمْ) أي أيها العباد كلكم ، فإن كل أحد مسؤول عن نفسه
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
