تنقصون ، وأن تفيض منه زوجه ، وذلك قبل خلق حواء منه ، ثم أوجدها فكان الفيض منها فيضا منه فالكل منه ، ولهذا ورد الحديث في مسند أحمد بن منيع عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «خلق الله آدم يوم خلقه وضرب على كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر ، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم ، فقال للذي في يمينه : إلى الجنة ولا أبالي ، وقال للذي في يساره : إلى النار ولا أبالي» (١).
ولما كان تنويع الحيوان إلى أنواع متباينة أدل على القدرة التي هي منشأ القهر ، وكان سبحانه موصوفا بالعلو ، وكان أكثر الأنعام أشد من الإنسان ، فكان تسخيره له وتذليله إنزالا له عن قوته وإيهانا لشدته ، قال دالّا على ذلك الإنشاء والجعل بلفظ الإنزال : (وَأَنْزَلَ لَكُمْ) أي خاصة (مِنَ الْأَنْعامِ) أي الإبل بنوعيها ، والبقر كذلك ، والضأن والمعز. ولما لم يكن عند العرب البخاتي والجواميس لم يذكرها سبحانه ، واقتصر على ما عندهم ، وقال : (ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ) أي من كل نوع زوجين ذكرا وأنثى ، والزوج اسم لواحد معه آخر لا يكمل نفعه إلا به ، وإذا نظرت هذه العبارة مع العبارة عن خلق الإنسان فهمت أن الأنعام خلق كل من ذكرها وأنثاها على انفراده ، لا أن أحدا منها من صاحبه ، وذلك أدل على إطلاق التصرف وتنويعه مما لو جعل خلقها مثل خلق الآدمي.
ولما كان تكوينهم في تطويرهم عجبا قال مستأنفا بيانا لما أجمل قبل : (يَخْلُقُكُمْ) أي يقدر إيجادكم أنتم والأنعام على ما أنتم عليه من أخلاط العناصر (فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ) ولما كان تطوير الخلق داخل البطن حيث لا تصل إليه يد مخلوق ولا بصره ، قال دالّا على عظمته ودلالته على تمام القدرة والقهر : (خَلْقاً) ودل على تكوينه شيئا بعد شيء بإثبات الحرف فقال : (مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ) أي في تنقلات الأطوار وتقلبات الأدوار. ولما كان الحيوان لا يعرف ما هو إلا في التطوير الرابع ، وكان الجهل ظلمة قال : (فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ) ظلمة النطفة ثم العلقة ثم المضغة ، فإذا صار عظاما مكسوة لحما عرف هل هو ذكر أو أنثى فزالت عنه ظلمات الجهل ، وصار خلقا آخر ، وقيل ؛
__________________
(١) أخرجه أحمد ٤ / ١٨٦ وابن حبان ٣٣٨ والحاكم ١ / ٣١ عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي رضي الله تعالى عنه وإسناده حسن إن شاء الله تعالى وله شاهد عند مالك في الموطأ ٢ / ٨٩٨ وأحمد ١ / ٤٤ وأبي داود ٤٧٠٣ والترمذي ٣٠٧٧ عن عمر رضي الله عنه وإسناده صحيح.
وله شاهد عن أبي الدرداء عند أحمد ٦ / ٤٤١ وعن عائشة عند مسلم ٢٦٦٢ والبغوي (٧٨) وعن حكيم ابن حزام عند البزار ٢١٤٠.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
