يقول : فما حال من يتولى الولد؟ ـ قال القشيري : والمحال يذكر على جهة الإبعاد أن لو كان كيف حكمه ـ : (لَوْ أَرادَ اللهُ) أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال (أَنْ يَتَّخِذَ) أي يتكلف كما هو دأبكم ، ولا يسوغ في عقل أن الإله يكون متكلفا (وَلَداً) أي كما زعم من زعم ذلك ، ولما كان الولد لا يراد إلا أن يكون خيارا ، وكان الله قادرا على كل شيء ، عدل عن أن يقول (لأتخذ) إلى قوله : (لَاصْطَفى) أي اختار على سبيل التبني (مِمَّا يَخْلُقُ) أي يبدعه في أسرع من الطرف ، وعبر بالأداة التي أكثر استعمالها فيما لا يعقل إشارة إلى أنه قادر على جعل أقل الأشياء أجلّها على سبيل التكرار والاستمرار ـ كما أشار إليه التعبير بالمضارع فقال : (ما يَشاءُ) أي مما يقوم مقام الولد فإنه لا يحتاج إلى التطوير في إتيان الولد إلا من لا يقدر على الإبداع بغير ذلك.
ولما كان لا يرضى إلا بأكمل الأولاد وهم الأبناء ، لكنه لم يرد ذلك فلم يكن ، فهذا أقصى ما يمكن أن يجوز في العقل أن يخلق خلقا شريفا ويسميه ولدا إشارة إلى شدة إكرامه له وتشريفه إياه ، أو يقربه غاية التقريب كما فعل بالملائكة وعيسى عليهمالسلام ، فكان ذلك سببا لغلطكم فيهم حتى دعيتم أنهم أولاد ثم زعمتم أنهم بنات ، فكنتم كاذبين من جهتين ، هذا غاية الإمكان ، وأما أنه يجوز عليه التوليد فلا ، بل هو مما يحيله العقل ، لأن ذلك لا يكون إلا لمحتاج ، والإله لا يتصور في عقل أن يكون محتاجا أصلا ، قال ابن برجان ما معناه : كان معهود الولادة على وجهين ، فولد منسوب إلى والده بنوة وولادة ورحما ، فهذا ليس له في الوجود العلي وجود ، ولا في الإمكان تمكن ، ولا في الفعل مساغ بوجه من الوجوه ، وولد بمعنى التبني والاتخاذ ، وقد كانت العرب وغيرها من الأمم يفعلونه حتى نسخه القرآن ، فلا يبعد أن تكون هذه العبارة كانت جائزة في الكتب قبلنا ، فلما أعضل بهم الداء وألحدوا في ذلك عن سواء القصد الذي هو الاصطفاء إلى بنوة الولادة أضلهم الله وأعمى أبصارهم وسد السبيل عن العبادة عن ذلك ، وكشف معنى الاصطفاء ، وأظهر معنى الولاية ، ونسخ ذلك بهذا ، لأن هذا لا يداخله لبس ، وذلك كله لبيان كمال هذه الأمة وعلوها في كل أمر.
ولما كانت نسبة الولد إليه كنسبة الشريك أو أشنع ، وانتفى الأمران بما تقدم من الدليل بالحكم باعترافهم بأن حكمه سبحانه نافذ في كل شيء لشهادة الوجود ، ولقيام الأدلة على عدم الحاجة إلى شيء أصلا فضلا عن الولد ، نزه نفسه بما يليق بجلاله من التنزيه في هذا المقام ، فقال : (سُبْحانَهُ) أي له التنزيه التام عن كل نقيصة ، ثم أقام الدليل على هذا التنزيه المقتضي لتفرده فقال : (هُوَ) أي الفاعل لهذا الفعال ، والقائل لهذه الأقوال ، ظاهرا وباطنا (اللهُ) أي الجامع لجميع صفات الكمال ، ثم ذكر من
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
