جمعه لكل صلاح ، أي لا بد أن يرى جميع ما فيه لأن الشأن العظيم إنزاله على سبيل التنجيم للتقريب في فهمه وإيقاع كل شيء منه في أحسن أوقاته من غير عجلة ولا توان ، ثم أخبر عن هذا التنزيل بقوله : (مِنَ اللهِ) أي المتصف بجميع صفات الكمال (الْعَزِيزِ) فلا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء (الْحَكِيمِ) الذي يضع الأشياء في محالّها التي هي أوفق لها ، فلكونه منه لا من غيره كان ذكرا للعالمين ، صادقا في كل ما يخبر به ، حكيما في جميع أموره.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما بنيت سورة ص على ذكر المشركين وعنادهم وسوء ارتكابهم واتخاذهم الأنداد والشركاء ، ناسب ذلك ما افتتحت به سورة الزمر من الأمر بالإخلاص الذي هو نقيض حال من تقدم ، وذكر ما عنه يكون وهو الكتاب ، فقال تعالى (تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ) وجاء قوله تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ) ـ الآية في معرض أن لو قيل : عليك بالإخلاص ودع من أشرك ولم يخلص ، فسترى حاله ، وهل ينفعهم اعتذارهم بقولهم (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى) وهؤلاء هم الذين بنيت سورة ص على ذكرهم ، ثم وبخهم الله تعالى وقرعهم فقال (لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى) ـ الآية ، فنزه نفسه عن عظيم مرتكبهم بقوله سبحانه (هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ) ثم ذكر بما فيه أعظم شاهد من خلق السماوات والأرض وتكوير الليل على النهار وتكوير النهار على الليل وذكر آيتي النهار والليل ثم خلق الكل من البشر من نفس واحدة ، وهي نفس آدم عليهالسلام ، ولما حرك تعالى إلى الاعتبار بعظيم هذه الآيات وكانت أوضح شيء وأدل شاهد ، عقب ذلك بما يشير إلى معنى التعجب من توقفهم بعد وضوح الدلائل ، ثم بين تعالى أنه غني من الكل بقوله (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ) ثم قال (وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ) فبين أن من اصطفاه وقربه واجتباه من العباد لا يرضى له بالكفر ، وحصل من ذلك مفهوم الكلام أن الواقع من الكفر إنما وقع بإرادته ورضاه لمن ابتلاه به ثم آنس من آمن ولم يتبع سبيل الشيطان وقبيلته من المشار إليهم في السورة قبل فقال تعالى (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ) [الإسراء : ٧] (وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها) ثم تناسجت الآي والتحمت الجمل إلى خاتمة السورة ـ انتهى.
ولما أخبر أنه من عنده ، علل ذلك بما ثبت به جميع ما مضى من الخير ، فقال صارفا القول عن الغيبة منبها على زيادة عظمته بذكر إنزاله ثانيا ، مبرزا له في أسلوب العظمة مختبرا أنه خص به أعظم خلقه ، معبرا بالإنزال الظاهر في الكل تجوزا عن
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
