ولما كان بيان ضخامة ملكه وكثرة هيبته وعزته مع زيادة أوبته لتحصل التأسية به في حسن ائتماره وانتهائه والتسلية بابتلائه مع ذلك من شرفه وبهائه ، أشار إلى كثرة الخيل جدا وزيادة محبته لها وسرعة أوبته بقوله : (فَقالَ) ولما كان اللائق بحاله والمعروف من فعاله أنه لا يؤثر على ذكر الله شيئا فلا يكاد أحد ممن شاهد ذلك يظن به ذلك بل يوجهون له في ذلك وجوها ويحملونه على محامل تليق بما يعرفونه من حال من الإقبال على الله والغنا عما سواه ، أكد قوله تواضعا لله تعالى ليعتقدوا أنه بشر يجوز عليه ما يجوز عليهم لو لا عصمة الله : (إِنِّي) ولما كان الحب أمرا باطنا لا يظهر في شيء إلا بكثرة الاشتغال به ، وكان الاشتغال قد يكون لغير الحب فهو غير دال عليه إلا بقرائن قال اعترافا : (أَحْبَبْتُ) أي أوجدت وأظهرت بما ظهر مني من الاشتغال بالخيل مقرونا ذلك بأدلة الود (حُبَّ الْخَيْرِ) وهو المال بل خلاصة المال وسبب كل خير دنيوي وأخروي «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» (١) أظهرت ذلك بغاية الرغبة غافلا (عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) المحسن إليّ بهذه الخيل التي شغلتني وغيرها ، فلم أذكره بالصلاة التي كانت وظيفة الوقت وإن كان غرضي لها لكونه في طاعته ذكرا له. ولم يزل ذلك بي (حَتَّى تَوارَتْ) أي الشمس المفهومة من «العشي» (بِالْحِجابِ) وهي الأرض التي حالت بيننا وبينها فصارت وراءها حقيقة.
ولما اشتد تشوف السامع إلى الفعل الذي أوجب له الوصف بأواب بعد سماع قوله في لومه نفسه ليجمع بين معرفة القول والفعل ، أجيب بقوله : (رُدُّوها) أي قال سليمان عليهالسلام : ردوا (عَلَيَ) الخيول التي شغلتني. ولما كان التقدير : فردوها عليه ، نسق به قوله : (فَطَفِقَ) أي أخذ يفعل ظافرا بمراده لازما له مصمما عليه واصلا له معتمدا على الله في التقوية على العدو لا على الأسباب التي من أعظمها الخيل مفارقا ما كان سبب ذهوله عن الذكر معرضا عما يمكن أن يتعلق به القلب متقربا به إلى الله تعالى كما يتقرب في هذه الملة بالضحايا (مَسْحاً) أي يوقع المسح ـ أي القطع ـ فيها بالسيف إيقاعا عظيما. ولما كان السيف إنما يقع في جزء يسير من العضوين أدخل الباء فقال : (بِالسُّوقِ) أي منها (وَالْأَعْناقِ) يضربها ضربا بسيف ماض وساعد شديد وصنع سديد يمضي فيها من غير وقفة أصلا حتى كأنه يمسحه مسحا على ظاهر جلودها كما يقال : مسح علاوته ، أي ضرب عنقه ـ والله أعلم.
__________________
(١) أيضا هذا حديث أخرجه البخاري ٢٨٤٩ و ٣٦٢٤ ومسلم ١٨٧١ والنسائي ٦ / ٢٢١ وابن ماجه ٢٧٨٧ وابن حبان ٤٦٦٨ والبيهقي ٦ / ٣٢٩ والبغوي ٢٦٤٤ والقضاعي ٢٢١ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه وفي الباب عن جرير وأبو كبشة رضي الله عنهما ٣٤٢٤ ومسلم ١٦٧٤ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فتدبر ، والله الموفق.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
