الأنف ، ثم قيد ذلك بقوله : (مَعَهُ) أي مصاحبة له فلم يوجد ذلك التسخير ظاهرا لأحد بعده ولا قبله ، ولما كان وجود التسبيح من الجبال شيئا فشيئا أعجب لأنها جماد ، عبر بالفعل المضارع ، فقال مصورا لتلك الحال معبرا بضمير الإناث إشارة إلى أنها بعد ما لها من الصلابة صارت في غاية اللين والرخاوة ، يسبح كل جبل منها بصوت غير مشبه بصوت الآخر ، لأن ذلك أقرب إلى التمييز والعلم بتسبيح كل على انفراده : (يُسَبِّحْنَ) ولم يقل : «مسبحة» أو «تسبح» لئلا يظن أن تسبيحها بصوت واحد ليشكل الأمر في بعضها ، وهو يمكن أن يكون استئنافا وأن يكون حالا بمعنى أنهن ينقدن له بالتسبيح قالا وحالا انقياد المختار المطيع لله.
ولما كان في سياق الأوبة ، وكان آخر النهار وقت الرجوع لكل ذي إلف إلى مألفه مع أنه وقت الفتور والاستراحة من المتاعب قال : (بِالْعَشِيِ) أي تقوية للعامل وتذكيرا للغافل. ولما كان في سياق الفيض والتشريف بالقرآن قال : (وَالْإِشْراقِ) أي في وقت ارتفاع الشمس عند انتشاب الناس في الأشغال ، واشتغالهم بالمآكل والملاذ من الأقوال والأفعال ، تذكيرا لهم وترجيعا عن مألوفاتهم إلى تقديس ربهم سبحانه ، وليس الإشراق طلوع الشمس ، إنما هو صفاؤها وضوءها ، وشروقها طلوعها ، وروت أم هانىء رضي الله عنها أن النبي صلىاللهعليهوسلم صلى في بيتها الضحى وقال لها : هذه صلاة الإشراق (١) وفي الجامع لعبد الرزاق أن ابن عباس رضي الله عنهما قال : صلاة الضحى في القرآن ، ولكن لا يغوص عليها إلا غائص ، ثم قرأ هذه الآية. وإليها الإشارة أيضا ـ والله أعلم ـ بصلاة الأوابين (وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) روى مسلم في صحيحه وعبد بن حميد في مسنده والدارمي في جامعه المسمى بالمسند عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : صلاة الأوابين حين ترمض الفصال ، ولفظ الدارمي أن النبي صلىاللهعليهوسلم خرج عليهم وهم يصلون بعد طلوع الشمس فقال : صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال ، ولفظ عبد أن النبي صلىاللهعليهوسلم أتاهم في مسجد قباء فرآهم يصلون الضحى فقال : هذه صلاة الأوابين وكانوا يصلونها إذا رمضت الفصال (٢). أي بركت من شدة الحر وإحراقه
__________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٥ / ٢٩٨ فقال : أخرجه ابن مردويه عن عبد الله بن الحارث عن أم هانىء مرفوعا ا ه ولم أقف على إسناده وكرره موقوفا على ابن عباس.
(٢) أخرجه أحمد ٤ / ٣٦٦ و ٣٧٤ ـ ٣٧٥ ومسلم ٧٤٨ وابن حبان ٢٥٣٩ والطيالسي ٦٨٧ والطبراني ٥١٠٨ وما بعده وابن خزيمة ٢ / ٢٣٠ والبيهقي ٣ / ٤٩ والبغوي ١٠١٠ وأبو عوانة ٢ / ٢٧٠ عن زيد بن أرقم رضي الله عنه. وفي صلاة الضحى كثير من الأحاديث انظر نيل الأوطار ٣ / ٦٠ ـ ٦١ ـ ٦٢ ـ ٦٣ ـ ٦٤ ـ ٦٥ ـ ٦٦.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
