والنصرة والفداء بالنفس والمال أعظم مما بين غيرهما ، فإذا انتفى إغناء أحدهما عن الآخر انتفى غيرهما بطريق الأولى قال : (لا يَجْزِي) أي يغني فيه ، ولعله حذف الصلة إشارة إلى أن هذا الحال لهم دائما إلا أنه سبحانه أقام في هذه الدار أسبابا ستر قدرته بها ، فصار الجاهل يحيل الأمر عليها ويسنده إليها ، وأما هناك فتزول الأسباب ، وينجلي غمام الارتياب ، ويظهر اختصاص العظمة برب الأرباب.
ولما كانت شفقة الوالد ـ مع شمولها لجميع أيام حياته ـ أعظم ، فهو يؤثر حياة ولده على حياته ويؤثر أن يحمل بنفسه الآلام والأموال بدأ به فقال : (والِدٌ) كائنا من كان (عَنْ وَلَدِهِ) أي لا يوجد منه ولا يتجدد في وقت من الأوقات نوع من أنواع الجزاء وإن تحقق أن الولد منه ، والتعبير بالمضارع إشارة إلى أن الوالد لا يزال تدعوه الوالدية إلى الشفقة على الولد ، وتجدد عنده العطف والرقة ، والمفعول إما محذوف لأنه أشد في النفي وآكد ، وإما مدلول عليه بما في الشق الذي بعده.
ولما كان الولد لا يتوقع منه الإغناء عن والده في الهزاهز إلا بعد بلوغه ، أخره في عبارة دالة على ثبات السلب العام فقال : (وَلا مَوْلُودٌ) أيّ مولود كان (هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ) وإن علم أنه بعضه (شَيْئاً) من الجزاء ، وفي التعبير ب «هو» إشعار بأن المنفي نفعه بنفسه ، ففيه ترجية بأن الله قد يأذن له في نفعه إذا وجد الشرط ، وعبر هنا بالاسم الفاعل لأن الولد من شأنه أن يكون ذلك له ديدنا لما لأبيه عليه من الحقوق ، والفعل يطلق على من ليس من شأنه الاتصاف بمأخذ اشتقاقه ، فعبر به في الأب لأنه لاحق للولد عليه يوجب عليه ملازمة الدفع عنه ، ويكون ذلك من شأنه ومما يتصف به فلا ينفك عنه ، وذلك كما أن الملك لو خاط صح أن يقول في تلك الحال : إنه يخيط ، ولا يصح «خياط» لأن ذلك ليس من صنعته ، ولا من شأنه.
ولما كان من المعلوم أن لسان حالهم يقول : هل هذا اليوم كائن حقّا؟ أجيب هذا السؤال بقوله مؤكدا لمكان إنكارهم ، لافتا القول إلى الاسم الأعظم لاقتضاء الوفاء له : (إِنَّ وَعْدَ اللهِ) الذي له جميع معاقد العز والجلال (حَقٌ) يعني أنه سبحانه قد وعد به على جلال جلاله ، وعظيم قدرته وكماله ، فكيف يجوز أن يقع في وهم فضلا عن أوهامكم أن يخلفه مع أن أدناكم ـ أيها العرب كافة ـ لا يرى أن يخلف وعده وإن ارتكب في ذلك الأخطار ، وعانى فيه الشدائد الكبار ، فلما ثبت أمره ، وكان حبهم لسجن هذا الكون المشهود ينسيهم ذلك اليوم ، لما جعل سبحانه في هذا الكون من المستلذات ، تسبب عنه قوله : (فَلا تَغُرَّنَّكُمُ) مؤكدا لعظم الخطب (الْحَياةُ الدُّنْيا) أي بزخرفها ، ولا ما يبهج من لا تأمل له من فاني رونقها ، وكرر الفعل والتأكيد إشارة إلى أن ما لهم
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
