وأما العقل فإنه لا مدخل له في ذلك ، قال معلما بأنهم أهل لأن يبكتوا ويستهزأ بهم لأنه لا علم عندهم بإحدى الطريقين ، ولا يقدرون أن يدعوا ذلك لئلا يفتضحوا فضيحة لا تنجبر أصلا ، عائدا إلى التصريح بمظهر العظمة إشارة إلى أن من شأنها كثافة الحجاب : (أَمْ خَلَقْنَا) أي على ما لنا من العظمة التي إن لم يقتض اختيار الأكمل لم يقتض الاختصاص بالأدون لأنها منافية بكل اعتبار للدناءة (الْمَلائِكَةَ) أي الذين حكموا عليهم بالأنوثة ، وهم من أعظم رسلنا وأجل خواصنا ولم يروا منهم أحدا ولا سبيل لهم إلى العلم بأحوالهم باعترافهم بذلك ، ولما تعين أن المراد بالأنوثة الخساسة ، وكان في بعض الإناث قوة الذكور ، عبر بالأنوثة إلزاما لهم في حكمهم ذلك بخساستين فقال : (إِناثاً وَهُمْ) أي والحال أن هؤلاء الذين ينسبون إلى الله ما لا يليق به (شاهِدُونَ) أي ثابت لهم شهود ذلك لا يغيبون عنه ، فإنا كل يوم نجدد منهم من شئنا ، قال الرازي : وكل واحد من الملائكة نوع برأسه ، أما الآدميون فكلهم نوع واحد ، وهو ناقص في ابتداء الفطرة مستكمل ، وله درجات في الترقي إلى أن يبلغ مقام المشاهدة ، وهو أن تتجلى له حلية الحق الأول من ذاته وصفاته وترتيب أفعاله علما لا ينفصل عنه ولا يغيب فيترقى في إدراكه عن المحسوسات والخيالات ، ويترقى فعله عن أن يكون لمقتضى الغضب أو الشهوة ، وبهذا يقرب من الله تعالى ـ انتهى.
ولما اشتد تشوف السامع إلى أن يعلم حقيقة قولهم الذي تسبب عنها هذا الاستفتاء ، أعلم سبحانه بذلك في قوله مؤكدا إشارة إلى أنه قول يكاد أن لا يقر أحد أنه قاله ، معجبا منهم فيه مناديا عليهم بما أبان من فضيحتهم بما قدم من استفتائهم : (أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ) أي من أجل أن صرفهم الأمور عن وجوهها عادتهم (لَيَقُولُونَ) أي قولا هم مستمرون عليه وإن كانوا لا يقدرون على إبرازه في مقام المناظرة ، وعدل عن مظهر العظمة إلى اسم الجلالة العلم على الذات الجامعة لجميع الصفات إشارة إلى أن كل صفة من صفاته ونعت من نعوته يأبى الولدية فقال : (وَلَدَ اللهُ) أي وجد له ـ وهو المحيط بصفات الكمال ـ ولد وهم على صفة الأنوثة أي أتى بالولد ، فولد فعل ماض والجلالة فاعل ، وقرىء شاذا برفع «ولد» على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وجر الجلالة بالإضافة ، والولد فعل بمعنى مفعول كالقبض ، فلذلك يخبر به عن المفرد وغيره والمؤنث وغيره.
ولما أتى سبحانه بالاسم الأعظم إشارة إلى عظيم تعاليه عن ذلك ، صرح به في قوله دالّا على الثبوت مؤكدا لأجل دعواهم أنهم صادقون : (وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) ودل على كذبهم أيضا بإنكاره موبخا لهم في أسلوب الخطاب زيادة في الإغضاب في قوله :
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
