ولما ذكر هؤلاء السادة الذين لهم من رتبة التجرد والنزاهة ما تقدم بيانه ، وختمهم بأخوين ما اجتمعا قط ، وكان من أعظم المقاصد بذكرهم المنة على من اتصف بمثل صفاتهم بالقرب والنصرة تسلية وترجية للنبي صلىاللهعليهوسلم ولمن اتبعه من المؤمنين ممن قارب ـ من شدة البلاء والقهر ـ اليأس من النصر ، أتبعهم بأمثالهم في التجرد وابتدأهما بأخوين افترقا حين ولادة الثاني على حالة لا يمكن الاجتماع معها عادة ، ثم اجتمعا في الباطن مع الافتراق في الظاهر ثم افترقا على حالة يبعد الاجتماع معها عادة ثم اجتمعا اجتماعا لم يفترقا منه إلا بالموت وبدأهما بأول من تجرد منهما من حين ولادته إلى أوان هجرته ، ثم من حين رجعته إلى أن جرد آله ـ وهم بعض ذرية إبراهيم عليهالسلام ـ وأنقذهم من علائق الكفرة ، ثم تجرد معهم هو وأخوه عن المدن والقرى وأكثر علائق البشر ، ملازمين البراري والفلوات حيث يكثر ظهور الكلمة مع إرسال الله إليهما بمعادن الحكمة إلى أن ماتا عليهما الصلاة والسّلام والتحية والإكرام ، فقال مؤكدا تنبيها لمن يعد نصر المؤمنين محالا ، عاطفا على ما تقديره : فلقد أنشأنا منهما من الأمم ما يعجز الوصف ويفوت الحصر ، ومننا على كثير منهم بالإحسان من ولد إسماعيل عليهالسلام إلى أن غير دينه عمرو بن لحي ، ومن ولد إسحاق يعقوب والأسباط عليهمالسلام ومن شاء الله من أولادهم : (وَلَقَدْ مَنَنَّا) أي أنعمنا إنعاما مقطوعا به بما لنا من العظمة ، على أول من أظهر لسان الصدق لإبراهيم عليهالسلام وذريته إظهارا تاما. وبدأهما بأعرقهما ـ كما تقدم ـ في التجرد وأحقهما بالتقدم فقال : (عَلى مُوسى) أحد أعيان المتجردين ، ومن له القدم الراسخ في ذلك (وَهارُونَ) أي عين من تجرد مع أخيه ووافقه أتم موافقة ، ووازره أعظم موازرة ، بما أتيا به من النبوة والكتاب وغير ذلك من أنواع الخطاب.
ولما كان جل المقصود ـ كما مضى ـ مقام التجرد ، والإعلام بنصر المستضعفين من المؤمنين ، قال : (وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما) أي بني إسرائيل وقد كانوا مرت لهم دهور في ذل لا يقاربه ذل المؤمنين من أصحاب محمد صلىاللهعليهوسلم في أول أمرهم (مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) أي الاستبعاد ، وما يتبعه من عظائم الأنكاد ، وكان ذلك بهلاك القبط الذين استمروا على الضلال ، وهم أضعاف أضعاف بني إسرائيل ، إلى أن أهلكناهم فلم يفلت منهم إنسان ، فصح لبني إسرائيل حينئذ التجرد وزال عنهم ذل التجبر والتمرد.
ولما بين نعمة النجاة من الأسر ، أتبعها نعمة الالتذاذ بالنصر ، فقال : (وَنَصَرْناهُمْ) أي موسى وهارون عليهماالسلام وقومهما على كل من نازعهم في ذلك الزمان من
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
