نبي بعثه الله إلى أهل الأرض (١) ، وإنما كانوا قوما لا أكثر ، لأنهم كانوا على لسان واحد قبل بلبلة الألسن باتفاق أهل التأريخ ، وذلك كما أن العرب يطلق عليهم كلهم على انتشارهم واتساع بلادهم أنهم قوم ، لاجتماعهم في اللسان مع أنهم قبائل لا يحصيهم العد ، ولا يجمعهم نسب واحد إلا في إسماعيل عليهالسلام ، وقيل فيما فوقه ، فإن النسابين أجمعوا على أن عدنان من ولد إسماعيل عليهالسلام ، قالوا : هو من ولد عدنان ، واختلفوا في قحطان أبي اليمن وكذا ثقيف ، فقيل : هما من ولد إسماعيل عليهالسلام ، وقيل لا ، ثم من قال : إن ثقيفا من ولد إسماعيل عليهالسلام ، قالوا : هو من ولد عدنان ، وقال بعضهم : لا ، ثم إن من ولد عدنان ربيعة ومضر ، ومن دون مضر كنانة وهذيل والقارة وخزاعة وأسد وتميم ومزينة والرباب وضبة وقيس ودون ذلك باهلة وأشجع وفزارة وكنانة وقريش وخلائق ، ومن دون ربيعة بكر بن وائل وغيرهم ، ومن دون ذلك شيبان وعبد القيس والنمر وخلائق ، ودون قحطان أبي اليمن لخم وجذام وعائلة وغسان وكندة وهمدان والأزد ، ومنهم الأنصار وخلائق غير ذلك ، فهؤلاء كلهم ـ على هذا التشعب والانتشار والاختلاف في الأديان ، بل وفي بعض اللغة ـ يسمون أمة واحدة وقوما لجمع اللسان لهم في أصل العربية ، وبنو إسحاق ليسوا منهم بلا خلاف ، مع أنهم أولاد عمهم لمخالفتهم لهم في اللسان على أنهم أقرب من قحطان وثقيف في النسب عند من قال إنهم ليسوا من ولد إسماعيل عليهالسلام ، وكذا بنو إسحاق عليهالسلام افترقوا بافتراق اللسان ، فبنو إسماعيل قوم ، وبنو العيص ـ وهم الروم ـ قوم ، وكذا سائر الأمم إنما يفرق بينهم اللسان ، وعموم دعوته لبني آدم عليهالسلام على هذا الوجه لا يقدح في خصوصية نبينا صلىاللهعليهوسلم بعموم الدعوة والإرسال إلى غير قومه ، أما العموم فإنه أرسل إلى كل من ينوس من الإنس والملائكة والجن ، وأما دعاء الأقوام فالمراد أنه أرسل إلى الموافق في اللسان والمخالف فيه ، وأما غيره فما أرسل إلى من خالفه في اللسان ولا إلى غير جنسه وإن كان يندب له أنه يأمر المخالفين في اللسان وينهاهم من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير وجوب ، ولو سلمنا في نوح عليهالسلام أنه لم يبعث إلى جميع أهل الأرض انتقض بآدم عليهالسلام فإنه نبي مرسل ، كما روى ذلك الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومحمد بن يحيى بن أبي عمر وأبو بكر بن أبي شيبة والحارث بن أبي أسامة وأبو يعلى الموصلي وإسحاق بن راهويه في مسانيدهم
__________________
(١) هذا جزء من حديث الشفاعة المشهور الذي أخرجه البخاري ٦٥٦٥ و ٤٤٧٦ ومسلم ١٩٣ وأحمد ٣ / ٢٤٤ وابن حبان ٦٤٦٤ وابن خزيمة ص ٢٥٣ ـ ٢٥٤ و ٢٩٩ والبغوي ٤٣٣٣ وغيرهم عن أنس رضي الله تعالى عنه. وفي الباب عن أبي هريرة وأبي بكر رضي الله عنهما.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
