ولما كان ذلك الاجتماع إنما هو للسرور ، وكان السرور لا يتم إلا بالمنادمة ، وكان أحلى المنادمة ما يذكر بحلول نعمة أو انحلال نقمة ، تسبب عن ذلك ولا بد قوله إشارة إلى فراغ البال وصحة العقل بالإصابة في المقال : (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ) أي أهل الجنة بالكلام ، وأشار إلى أن مجرد الإقبال بالقصد يلفت القلوب إلى سماعه بأداة الاستعلاء فقال : (عَلى بَعْضٍ) أي لأجل الكلام الذي هو روح ذلك المقام ، وأما المواجهة فقد تقدم أنها دائمة ، وبين حال هذا الإقبال فقال : (يَتَساءَلُونَ) أي يتحدثون حديثا بينا لا خفاء بشيء منه بما أشار إليه الإظهار بما حقه أن يهتم به ويسأل عنه من أحوالهم التي خلصوا منها بعد أن كادت ترديهم ، وسماه سؤالا لأنه مع كونه أهلا لأن يسأل عنه ـ لا يخلو عن سؤال أدناه سؤال المحدث أن يصغي إلى الحديث ، وعبر عنه بالماضي إعلاما بتحققه تحقق ما وقع.
ولما تشوف السامع إلى سماع شيء منها يكون نموذجا للباقي ، أشار إلى ذلك بقوله مستأنفا : (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ) أي في هذا التساؤل ، وشتان ما بينه وبين ما مضى خبره من تساؤل أهل النار.
ولما كان ظنه أنه لا يخلص من شر ذلك القرين الذي يحدث عنه فنجاه الله منه على خلاف الظاهر ، فكان ذلك إحدى النعم الكبرى ، نبه عليه بالتأكيد فقال : (إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ) أي جليس من الناس كأنه شيطان مبين (يَقُولُ) أي مكذبا بالبعث مستبعدا له غاية الاستبعاد مجددا لقوله في كل وقت ، يريد أن يختدعني بلطافة قياده إلى سوء اعتقاده : (أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ) أي بالبعث ـ يوبخني بذلك ويستقصر باعي في النظر استثارة لهمتي وإلهابا لنخوتي وحميتي ، ويكرر الإنكار بقوله : (أَإِذا مِتْنا) أي فذهبت أرواحنا (وَكُنَّا) أي كونا راسخا (تُراباً وَعِظاماً) أي فانمحقت أجسامنا التي هي مراكب الأرواح (أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) أي لمجزيون بعد ذلك بما عملنا بأن نبعث ونجازى ، وكان تأكيده للإشارة منه إلى أن كل عاقل جدير بأن يكذب بما أقررت به لبعده ، أو إلى أنه مكذب به ولو كان مؤكدا.
ولما كان هذا المقال سببا لعظيم تشوف السامع إلى ما يكون بعده ، وكان أهل الجنة من علو المكان والمكانة وصحة الأجسام وقوة التركيب ونفوذ الأبصار بحيث ينظرون ما شاؤوا من النار وغيرها مما دونهم متى شاؤوا ، استأنف قوله مشيرا إلى أن حاله هذا معلم أنه من أهل النار : (قالَ) أي هذا القائل لشربه هؤلاء الذين هم كما قال بعضهم في موشح :
|
رب شرب كالعقد قد نظموا |
|
في ثياب طرازها الكرم |
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
