ولما أخبر سبحانه باشتراكهم ، استأنف الإخبار بما يهول أمر عذابهم ويشير إلى عمومه في الدارين لكل من شاركهم في الإجرام ، فقال مؤكدا دفعا لظن من ينكر القيامة وظن من يرى الإملاء للمجرم في الدنيا نعمة وينفي كونه نقمة ، أو يفعل في التمادي في الإجرام فعل المنكر ؛ (إِنَّا) أي بما لنا من العظمة التي لا يفوتها شيء (كَذلِكَ) أي مثل هذا الفعل العظيم الشأن (نَفْعَلُ) بهم ـ هكذا كان الأصل ، ولكنه علق بالوصف تعميما وتعليلا فقال : (بِالْمُجْرِمِينَ) أي كل قاطع لما أمر الله به أن يوصل في الدنيا والآخرة ، نمهل ثم نأخذ أخذا عنيفا يصير به المشتركون في الظلم أعداء يتخاصمون ، ويحيل بعضهم على بعض ثم لا ينفعهم ذلك ، بل نشارك بينهم في العقوبة ، ثم علل تعذيبه لهم بقوله مؤكدا للتعجب منهم لأن فعلهم هذا أهل لأن ينكر لأن هذه الكلمة لا يصدق عاقل أن أحدا يستكبر عليها لأنه لا شيء أعدل منها : (إِنَّهُمْ كانُوا) أي دائما (إِذا قِيلَ لَهُمْ) أي من أيّ قائل كان : (لا إِلهَ) أي يمكن ، وإذا نفي الممكن كان الموجود أولى فإنه لا يوجد إلا ما يمكن وجوده وإن كان واجبا (إِلَّا اللهُ) أي الملك الأعلى المباين لجميع الموجودات في ذاته وصفاته وأفعاله كما هو الحق ليفردوه بالإلهية كما تفرد بالخالقية كما لا يخفى على من له أدنى مسكة بصفات الكمال ، وقدم النفي لأن التحلية لا تكون إلا بعد التخلية (يَسْتَكْبِرُونَ) أي يوجدون الكبر عن الإقرار بهذا الحق الذي لا أعدل منه وعن متابعة الداعي إليه ، استكبار من هو طالب للكبر من نفسه ومن غيره لما فيه من العراقة والعتو ، فلم يكن لهم مانع من أبواب جهنم السبعة التي جعلت كل كلمة من هذه الكلمة مع قرينتها الشاهدة بإرساله مانعة من باب منها وإلا كان في شيء من ساعات أيامهم ـ التي هي بعدد حروفهما أربعة وعشرون ـ خير ينجيهم من المكاره.
ولما أخبر أنهم استكبروا على توحيد الإله ، أتبعه الإخبار بأنهم تكلموا في رسوله صلىاللهعليهوسلم بما لا يرضاه فقال : (وَيَقُولُونَ) أي كل حين ما دلوا به على بعدهم عن الإيمان كل البعد بسوقهم لقولهم ذلك في استفهام إنكاري مؤكدا : (أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا) أي عبادتها ، وكان تأكيد أصل الكلام للإشارة إلى أن تكذيبهم صادر منهم مع علمهم بأن كل عالم بحالهم يراهم جديرين بترك ما هم عليه لما جاء به صلىاللهعليهوسلم ، ولذلك أعلم بأن ما هم عليه عناد بسوق تكذيبهم على وجه معلوم التناقض بالبديهة بقوله : (لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) فإن الجنون لا نظام معه ، والشعر يحتاج إلى عقل رصين وقصد قويم ، وطبع في الوزن سليم ، أو للإشارة إلى أن إنكار المؤكد إنكار لغيره بطريق الأولى.
ولما كان مرادهم بذلك أن كلامه باطل ، فإن أكثر كلام الشاعر غلو وكذب وكلام
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
