الخصوم ؛ ثم زادوا تأسفا وتغمما وتلهفا بقولهم ، لافتين القول عن التكلم إلى الخطاب لأنه أدل على ذم بعضهم لبعض وأبعد عن الإنصاف بالاعتراف : (الَّذِي كُنْتُمْ) أي يا دعاة الويل جبلة وطبعا (بِهِ تُكَذِّبُونَ) وقدموا الجار إشارة إلى عظيم تكذيبهم به ، فبينما هم في هذا التأسف إذ برز النداء بما يهدىء قواهم ، ويقر قلوبهم وكلاهم ، لمن لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون من الملائكة الشداد الغلاظ بإذلالهم وإصغارهم ، ولبيان السرعة لذلك من غير تنفيس أسقط ما يدل على النداء من نحو قوله : فقيل للملائكة ، أو فقلنا ، أو فبرز النداء من جانب سلطاننا ـ ونحو هذا : (احْشُرُوا) أي اجمعوا بكره وصغار وذل أيها الموكلون بالعباد من الأجناد ، وأظهر تعريفا بوصفهم الموجب لحتفهم فقال : (الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي بما كانوا فيه في الدنيا بوضع الأشياء في غير محالها من الخبط الذي لا يفعله إلا من هو في أشد الظلام (وَأَزْواجَهُمْ) أي أتباعهم الذين استنوا بهم في ذلك الضرب من الظلم وأشباههم فيه من الجن وغيرهم ومن أعانهم ولو بشطر كلمة أو رضى فعلهم لتصير كل طائفة على حدة فيصير بعضهم يبكت بعضا وبعضهم يشتم بعضا (وَما كانُوا) أي بما دعتهم إليه طباعاتهم المعوجة (يَعْبُدُونَ) أي مواظبين على عبادته رجاء منفعته تحقيقا لخسارتهم بتحقق اعتمادهم على غير معتمد ، وهو يعم المعبود حقيقة أو مجازا بالتزيين (ومن سابقات له الحسنى) مستثنى بآية الأنبياء ، وأشار إلى سفول رتبة معبوداتهم وتسفيه آرائهم بانتحال الأذى بقوله صارفا الأسلوب من المتكلم ولو بمظهر العظمة إلى أعظم منه : (مِنْ دُونِ اللهِ) أي الذي تفرد بنعوت العظمة وصفات الكمال ، والمراد الذين رضوا بعبادتهم لهم ولم ينكروا عليهم ذلك ويأمروهم بتوحيد الله.
ولما كانوا قد سلكوا في الدنيا طريق الشقاء المعنوية استحقوا أن يلزموا في القيامة سلوك طريقه الحسية ، فلذلك سبب عن الأمر بحشرهم قوله تهكما بهم وتحسيرا لهم : (فَاهْدُوهُمْ) أي دلوهم دلالة لا يرتابون معها ليعرفوا ـ مع ما هم فيه من الإكراه على سلوكها ـ مآلهم ، فيكون ذلك أعظم في نكدهم ؛ قال الرازي : وأصل الهداية التقدم ، والعرب تسمي السابق هاديا ، يقال : أقبلت هوادي الخيل أي أعناقها ، والهادية : العصى ـ لأنها تتقدم ممسكها ، ونظر فلان هدى أمره أي جهته. ثم أشار إلى طول وقوفهم وسوء مقامهم بقوله بأداة الانتهاء : (إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ) أي طريق النار الشديدة التوقد الواضح الذي لا لبس عندهم بأنه يشترطهم فيؤديهم إليها ، وخص هذا الاسم إعلاما بشديد توقدها وعظيم تأججها ، وبعد قعرها وضخامة غمرتها ، بتراكم بعضها فوق بعض وقوة اضطرامها ، وعلو شأنها واصطلامها ، وصلابة اضطرابها وتحرقها واشتمالها
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
