والأرض ، فهو فاعل الأفعال كلها ، كما أنه خالق الذوات كلها ، ولا شريك له في شيء من الأمر ، كما أنه لا شريك له في شيء من الخلق.
ولما كانوا يظنون أن أصنامهم تصنع شيئا كما قالت امرأة ذي النور الدوسي رضي الله عنه : هل يخشى على الصبية من ذي الشرى ، وكما قال قوم ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه لما سب آلهتهم : اتق الجذام اتق البرص ، وكما قال سادن العزى ، وكما قالت ثقيف في طاغيتهم ، حتى أنهم قالوا عند ما سويت بالأرض : والله ليغضبن الأساس ، حتى حمل ذلك المغيرة بن شعبة رضي الله عنه على أن حفر الأساس ، وكانوا إذا مستهم الضراء لا سيما في البحر تبرؤوا منها ، وأسندوا الأمر إلى من هو له كما هو مضمون التوحيد ، فكان ربما قال قائل استنادا إلى ذلك : إنهم ليعلمون ما أثبت بالتحميد ، قال : (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) أي إن الله هو المتفرد بكل شيء كما أنه تفرد بخلق السماوات والأرض ، وأنه لا يكون شيء إلا بإذنه لأنهم لا يعملون بما يعلمون من ذلك ، وعلم لا يعمل به عدم ، بل العدم خير منه ، وكان القليل هم المقتصدون عند النجاة من الشدة كما سيأتي آنفا ، أو يكون المعنى أنه لا علم لهم أصلا إذ لو كان لهم علم لنفعهم في علمهم بالله ، أو في أنهم لا يقرون بتفرده سبحانه بالخلق والرزق ، فيكون ذلك موجبا لتناقضهم وملزما لهم بالإقرار بصدقك في الحكم بوحدانيته على الإطلاق. ولما أثبت لنفسه سبحانه الإحاطة بأوصاف الكمال ، شرع يستدل على ذلك ، فقال مبينا أن ما أخبر أنه صنعه فهو له : (لِلَّهِ) أي الملك الأعظم المحيط بجميع أوصاف الكمال خاصة دون غيره (ما فِي السَّماواتِ) كلها. ولما تحرر بما تقدم أنهم عالمون مقرون بما يلزم عنه وحدانيته ، لم يؤكد بإعادة (ما) والجار ، بل قال : (وَالْأَرْضِ) أي كلها كما كانتا مما صنعه ، فلا يصح أن يكون شيء من ذلك له شريكا.
ولما ثبت ذلك أنتج قطعا قوله : (إِنَّ اللهَ) أي الملك الأعظم (هُوَ) أي وحده ، وأكد لأن ادعاءهم الشريك يتضمن إنكار غناه ، ولذلك أظهر موضع الإضمار إشارة إلى أن كل ما وصف به فهو ثابت له مطلقا من غير تقييد بحيثيته (الْغَنِيُ) مطلقا ، لأن جميع الأشياء له ومحتاجة إليه ، وليس محتاجا إلى شيء أصلا. ولما كان الغني قد لا يوجب الحمد قال : (الْحَمِيدُ) أي المستحق لجميع المحامد ، لأنه المنعم على الإطلاق ، المحمود بكل لسان ألسنة الأحوال والأقوال ، ولو كان نطقها ذما فهو حمد من حيث إنه هو الذي أنطقها ، ومن قيد الخرس أطلقها.
ولما كان الغني قد يكون ماله محصورا كما في السماوات والأرض الذي قدم أنه له ، والمحمود قد يكون ما يحمد عليه مضبوطا مقصورا أثبت أنه على غير ذلك ، بل لا
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
