ليس شجر إلا وفيه نار إلا العناب ـ انتهى. ولذلك قالوا في المثل المشهور : في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار (فَإِذا أَنْتُمْ) أي فيتسبب عن ذلك مفاجأتكم لأنكم (مِنْهُ) أي الشجر الموصوف بالخضرة بعينه (تُوقِدُونَ) أي توجدون الإيقاد ويتجدد لكم ذلك مرة بعد أخرى ، ما هو بخيال ولا سحر بل حقيقة ثابتة بينة ، وكأنه قدم الجار لكثرة إيقادهم منه ، فعد إيقادهم من غيره لذلك ولعظمته عدما.
ولما كان ذلك من غير كلفة عليهم ، قدم الجار تخصيصا له وعدا لغيره كالمعدوم ، فالذي قدر على تمييز النار من الماء والخشب وخبء النار فيهما لا النار تعدو على الخشب فتحرقه ولا الماء يعدو على النار فيطفئها قادر على تمييز تراب العظام من تراب غيرها ، ونفخ الروح فيها كما نفخ روح النار في الحطب المضاد له بالمائية.
ولما كان التقدير : أليس الذي قدر على ذلك بقادر على ما يريد من إحياء العظام وغيرها ، عطف عليه ما هو أعظم شأنا منه تقريرا على الأدنى بالأعلى فقال : (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ) أي أوجد من العدم وقدر (السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) أي على كبرهما وعظمتهما وعظيم ما فيهما من المنافع والمصانع والعجائب والبدائع ، وأثبت الجار تحقيقا للأمر وتأكيدا للتقرير فقال : (بِقادِرٍ) أي بثابت له قدرة لا يساويها قدرة ، ومعنى قراءة رويس عن يعقوب بتحتانية مفتوحة وإسكان القاف من غير ألف ورفع الراء أنه يجدد تعليق القدرة على سبيل الاستمرار (عَلى أَنْ يَخْلُقَ) ولفت الكلام إلى الغيبة إيذانا بأنهم صاروا بهذا الجدل أهلا لغاية الغضب فقال : (مِثْلَهُمْ) أي مثل هؤلاء الأناسي أي يعيدهم بأعيانهم كما تقول : مثلك كذا أي أنت ، وعبر به إفهاما لتحقيرهم وأن إحياء العظام الميتة أكثر ما يكون خلقا جديدا ، بل ينقص عن الاختراع بأن له مادة موجودة ، وعبر بضمير الجمع لأنه أدل على القدرة ، قال الرازي : والقدرة عبارة عن المعنى الذي به يوجد الشيء مقدرا بتقدير الإرادة والعلم واقعا على وفقهما وإن كانت صفات الله تعالى أعلى من أن يطمحها نظر عقل ، وتلحقها العبارات اللغوية ، ولكن غاية القدرة البشرية واللغة العربية هذا.
ولما كان الجواب بعد ما مضى من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة الاعتراف ، قال سبحانه مقررا لما بعد النفي إشارة إلى أنه تجب المبادرة إليه ، ولا يجوز التوقف فيه ومن توقف فهو معاند : (بَلى) أي هو قادر على ذلك (وَهُوَ) مع ذلك أي كونه عالما بالخلق (الْخَلَّاقُ) البالغ في هذه الصفة مطلقا في تكثير الخلق وتكريره بالنسبة إلى كل شيء ما لا تحيط به الأوهام ، ولا تدركه العقول والأفهام ، ولم ينازع أحد في العلم بالجزئيات بعد كونها ، كما نازعوا في القدرة على إيجاد بعض الجزئيات ، فاكتفى فيه
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
