وكان من المعلوم أن الأنبياء عليهمالسلام تظهر عليهم غرائز العلوم والحكم وغير ذلك مما يجريه الله على أيديهم ، ولا ينقص شيء من قواهم بل تزاد كما روي أن النبي صلىاللهعليهوسلم كان يمشي غير مكترث (١) ، وأن الصحابة رضي الله عنهم ليجهدون أنفسهم ، فيكون جهدهم أن يدركوا مشية الهوينا ، وأنه صارع ركانة الذي كان يضرب بقوته المثل ، وكان واثقا من نفسه بأنه يصرع من صارعه ، فلم يملكه النبي صلىاللهعليهوسلم نفسه ، وعاد إلى ذلك ثلاث مرات ، كل ذلك لا يستمسك في يده حتى شرع يقول : إن هذا لعجب يا محمد! أتصرعني (٢) ، وحتى أنه دار على نسائه ـ وهن تسع ـ كل واحدة منهن تسع مرات في طلق واحد (٣) إلى غير ذلك مما يحكى من قواه التي فاق بها الناس ، ولم يحك عن نبي من الأنبياء ممن عاش منهم ألفا ومن عاش دون ذلك أنه نقص شيء من قواه ، بل قد ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن ملك الموت عليهالسلام أرسل إلى موسى عليهالسلام ليقبض روحه فلما جاءه صكه ففقأ عينه فقال لربه : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ، قال : ارجع إليه فقل له : يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة ، قال : أي رب! ثم ماذا؟ قال : الموت ، قال فالآن (٤). وفي آخر التوراة : وقضى عبد الله موسى بأرض موآب بأمر الرب ، فدفن حذاء بيت فاغورا ، ولم يعرف أحد أين قضى إلى يومنا هذا ، وكان موسى يوم قضى ابن مائة وعشرين سنة ، لم يضعف بصره ولم يشخ جدّا ، لما كان الأمر كذلك ، وكان الله سبحانه قد جعل إرسالهم في سني الوقوف في الغرائز والضعف في القوى خرقا للعادة إكراما لهم وتنبيها للناس على صدقهم ، علم من العطف على غير معطوف عليه ظاهر ومن الإتيان بضميره صلىاللهعليهوسلم من غير تقدم ذكر له أن التقدير : لكن نبينا صلىاللهعليهوسلم عمرناه وما نكسناه بل منحناه غرائز من الفضائل عجز عنها الأولون والآخرون ، فأتى بقرآن أعجز الإنس والجن ، وعلوم وبركات فاتت
__________________
(١) أخرجه أحمد ٣ / ٢٢٨ والترمذي ٣٦٤٨ وفي الشمائل ١١٥ وابن حبان ٦٣٠٩ والبغوي ٣٦٤٩ وابن سعد ١ / ٤١٥ عن أبي هريرة رضي الله عنه وهو حديث صحيح.
(٢) أخرجه ابن هشام في السيرة ١ / ٣٦٩ عن ابن إسحاق عن أبيه وهذا مرسل. وذكره ابن حجر في الإصابة ١ / ٥٢٠ / ٢٦٨٩ فقال : أخرجه البلاذري. وقال ابن حبان : خبر مصارعة ركانة فيه نظر ا ه.
(٣) أخرجه البخاري ٢٨٤ و ٢٥١٥ و ٥٠٦٨ وأحمد ٣ / ١٦٦ والنسائي ٦ / ٥٣ ـ ٥٤ والترمذي ١٤٠ عن أنس رضي الله تعالى عنه وأخرجه البخاري ٢٦٨ وأحمد ٣ / ١٨٥ والترمذي ١٤٠ والنسائي ١ / ١٤٣ وابن خزيمة ٢٣١ وابن حبان ١٢٠٨ عن أنس في طوافه صلىاللهعليهوسلم على إحدى عشرة امرأة من نسائه ولم أجد ما ذكر المؤلف في تسع مرات للواحدة.
(٤) أخرجه البخاري ١٣٣٩ و ٣٤٠٧ ومسلم ٢٣٧٢ وأحمد ٢ / ٥٣٣٢ والنسائي ٤ / ١١٨ وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
