سلطته به من الوسوسة ، وأكده إشارة إلى أنه أمر لا يكاد أن يصدق به لما يبعد ارتكابه في العادة من اتضاح أمره وظهور فساده وضره. ولما كان الآدمي شديد الشكيمة عالي الهمة إذا أراد ، عبر بقوله : (جِبِلًّا) أي أمما كبارا عظاما كانوا كالجبال في قوة العزائم وصعوبة الانقياد ، ومع ذلك فكان يتلعب بهم تلعبا ، فسبحان من أقدره على ذلك وإلا فهو أضعف كيدا وأحقر أمرا ، قال في القاموس : الجبل ـ بالضم : الشجر اليابس والجماعة منا كالجبل كعنق وعدل وعتل وطمر وطمرة وأمير ، ثم قال : وبالكسر وبالضم وكطمرة : الأمة والجماعة ، ثم قال : والجبلة مثلثة ومحركة وكطمرة : الخلقة والطبيعة. ودلت قراءة أبي عمرو وابن عامر بضم الجيم وإسكان الباء وتخفيف اللام على الذين هم في أول مراتب الشدة والقوة ، وقراءة ابن كثير وحمزة والكسائي ورويس عن يعقوب بضمتين وتخفيف على ما فوق ذلك مما يقرب من الوسط مع الظهور والعلو للضم من القوة ، وقراءة روح كذلك مع تشديد اللام على نهاية الشدة والجلاء والقوة بما زادت من التشديد ، وقراءة الباقين بكسرتين وتشديد على ما فوق الوسط ـ بما أشارت إليه الحركات والتشديد ، ولكنه مع خفاء ، وكأنه بالمكر بما أشار إليه كون الحركتين بالكسر ، وعظم سبحانه الأمر بقوله : (كَثِيراً) ثم زاد في التوبيخ والإنكار بما أنتجه المقام وسببه إضلاله لهم مع ما أوتوا من العقول من قوله : (أَفَلَمْ) ولما كان سبحانه قد آتاهم عقولا وأيّ عقول ، عبر بالكون فقال : (تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) أي لتدلكم على ما فيه النجاة عقولكم بما نصبت من الأدلة ، مع ما نبهت عليه الرسل ، وحذرت منه من إهلاك الماضين ، بسبب اتباع الشياطين ، وغير ذلك من كل أمر واضح مبين.
ولما أنكر عليهم أن يفعلوا فعل من لا عقل له ، قال متمما للخزي : (هذِهِ) إشارة لحاضر إما حال الوقوف على شفيرها أو الدّع فيها (جَهَنَّمُ) أي التي تستقبلكم بالعبوسة والتجهم كما كنتم تفعلون بعبادي الصالحين : (الَّتِي كُنْتُمْ) أي كونا هيأتكم به لقبول ما يمكن كونه بما غرزته فيكم من العقول. ولما كان المحذور الإيعاد بها ، لا كونه من معين ، قال بانيا للمفعول : (تُوعَدُونَ) أي إن لم ترجعوا عن غيّكم (اصْلَوْهَا) أي قاسوا حرها وتوقدها واضطرامها ، وهوّل أمر ذلك اليوم بإعادة ذكره على حد ما مضى فقال : (الْيَوْمَ) لتكونوا في شغل شاغل كما كان أصحاب الجنة ، وشتان ما بين الشغلين (بِما) أي بسبب ما. ولما كانوا قد تجلدوا على الطغيان تجلد من هو مجبول عليه ، بيّن ذلك بذكر الكون فقال : (كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) أي تسترون ما هو ظاهر جدا بعقولكم من آياتي مجددين ذلك مستمرين عليه.
(الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
