لضميرهم تخصيصا للويل بهم لأنهم في معرض الشك : (مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا) عدوا مكانهم الذي كانوا به ـ مع ما كانوا فيه من عذاب البرزخ ـ مرقدا هنيئا بالنسبة إلى ما انكشف لهم أنهم لا قوة من العذاب الأكبر ، ووحدوه إشارة إلى أنهم على تكاثرهم وتباعدهم كانوا في القيام كنفس واحدة ، ثم تذكروا ما كانوا يحذرونه من أن الله هو يبعثهم للجزاء الذي هو رحمة الملك لأهل مملكته ، فقالوا مجيبين لأنفسهم استئنافا : هذا ما أي الوعد الذي (وَعَدَ) أي به ، وحذفوا المفعول تعميما لأنهم الآن في حيز التصديق (الرَّحْمنُ) أي العام الرحمة الذي رحمانيته مقتضية ولا بد للبعث لينصف المظلوم من ظالمه ، ويجازي كلّا بعمله من غير حيف ، وقد رحمنا بإرسال الرسل إلينا بذلك ، وطال ما أنذرونا حلوله ، وحذرونا صعوبته وطوله. ولما كان التقدير : فصدق الرحمن ، عطف عليه قوله : (وَصَدَقَ) أي في أمره (الْمُرْسَلُونَ) أي الذين أتونا بوعده ووعيده ، فالله الذي تقدم وعده به وأرسل به رسله هو الذي بعثنا تصديقا لوعده ورسله.
ولما كان الإخبار بالنفخ لا ينفي التعدد ، قال محقرا لأمر البعث بالنسبة إلى قدرته مظهرا للعناية بتأكيد كونها واحدة بجعل الخبر عنه أصلا مستقلا بفضله عن النفخ والإتيان فيه بفعل الكون و «إن» النافية لأدنى مظاهر مدخولها فكيف بما وراءه دون «ما» التي إنما تنفي التمام : (إِنْ) أي ما (كانَتْ) أي النفخة التي وقع الإحياء بها مطلق كون (إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً) أي كما كانت نفخة الإماتة واحدة (فَإِذا هُمْ) أي فجأة من غير توقف أصلا (جَمِيعٌ) أي على حالة الاجتماع ، لم يتأخر منهم أحد ، يتعللون به في ترك الانتصار ، ودوام الخضوع والذل والصغار ، ولما كان ذلك على هيئات غريبة لا يبلغ كنهها العقول ، قال لافتا القول إلى مظهر العظمة معبرا بما للأمور الخاصة : (لَدَيْنا) ولما كان ذلك أمرا لا بد منه ، ولا يمكن التخلف عنه ، عبر بصيغة المفعول وأكد معنى الاجتماع بالجمع نظرا إلى معنى جميع ولم يفرد اعتبارا للفظها لما ذكر من المعنى فقال : (مُحْضَرُونَ) أي بغاية الكراهة منهم لذلك بقادة تزجرهم وساقة تقهرهم.
ولما كان هذا الإحضار بسبب العدل وإظهار جميع صفات الكمال قال : (فَالْيَوْمَ) ولما كان نفي الظلم مطلقا أبلغ من نفيه عن أحد بعينه ، وأدل على المراد وأوجز ، قال لافتا القول عن الإظهار أو الإضمار بمظهر العظمة أو غيره! (لا تُظْلَمُ) ولما كان التعبير بما كثر جعله محط الرذائل والحظوظ والنقائص أدل على عموم نفي الظلم قال : (نَفْسٌ) أي أيّ نفس كانت مكروهة أو محبوبة (شَيْئاً) أي لا يقع لها ظلم ما من أحد
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
