يَأْتِيهِمْ) وأعرق في النفي والتعميم بقوله : (مِنْ رَسُولٍ) أي رسول كان في أيّ وقت كان (إِلَّا كانُوا بِهِ) أي بذلك الرسول (يَسْتَهْزِؤُنَ) أي يوجدون الهزء ، والرسل أبعد الخلق من الهزء حالا ومقالا وفعالا ، ومن الواضح أن المستهزىء بمن هذا حاله هالك فهو جدير بملازمة الحسرة له وأن يتحسر عليه.
ولما أتم سبحانه الخبر عن أول أمر الممثل بهم وأول أمر المؤمن بهم وآخره ، وأذن هذا التحسر بأن هلاك المكذبين أمر لا بد منه ، دل عليه معجبا من عدم نظرهم لأنفسهم ومهددا للسامعين منهم ، ومحذرا من آخر أمر الممثل بهم على وجه اندرج فيه جميع الأمم الماضية والطوائف الخالية بقوله : (أَلَمْ يَرَوْا) أي يعلم هؤلاء الذين تدعوهم علما هو كالرؤية بما صح عندهم من الأخبار وما شاهدوه من الآثار : (كَمْ أَهْلَكْنا) على ما لنا من العظمة ، ودل قوله : (قَبْلَهُمْ) ـ بكونه ظرفا لم يذكر فيه الجار ـ على أن المراد جميع الزمان الذي تقدمهم من آدم إلى زمانهم ، وإدخال الجار على المهلكين يدل على أن المراد بعضهم ، فرجع حاصل ذلك إلى أن المراد : انظروا جميع ما مضى من الزمان هل عذب فيه قوم عذاب الاستئصال إلا بسبب عصيان الرسل فقال : (مِنَ الْقُرُونِ) أي الكثيرة الشديدة الضخمة ، والقرن ـ قال البغوي : أهل كل عصر سموا بذلك لاقترانهم في الوجود (أَنَّهُمْ) أي لأن القرون.
ولما كان المراد من رسول ليس واحدا بعينه ، وكانت صيغة فعول كفعيل يستوي فيها المذكر والمؤنث والواحد والجمع ، أعاد الضمير للجمع فقال : (إِلَيْهِمْ) أي إلى الرسل خاصة من حيث كونهم رسلا (لا يَرْجِعُونَ) أي عن مذاهبهم الخبيثة ، ويخصون الرسل بالاتباع فلا يتبعون غيرهم أصلا في شيء من الأشياء الدينية أو الدنيوية فاطردت سنتنا ولن تجد لسنتنا تبديلا في أنه كلما كذب قوم رسولهم أهلكناهم ونجينا رسولهم ومن تبعه ، أفلا يخاف هؤلاء أن نجريهم على تلك السنة القديمة القويمة ف «إن» تعليلية على إرادة حذف لام العلة كما هو معروف في غير موضع ، وضمير (أَنَّهُمْ) للمرسل إليهم ، وضمير (إِلَيْهِمْ) للرسل ، لا يشك في هذا من له ذوق سليم وطبع مستقيم ، والتعبير بالمضارع للدلالة على إمهالهم والتأني بهم والحلم عنهم مع تماديهم في العناد بتجديد عدم الرجوع ، و (يَرْجِعُونَ) هنا نحو قوله تعالى (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [السجدة : ٢١] أي عن طرقهم الفاسدة ـ وهذا معنى الآية بغير شك ، وليس بشيء قول من قال : المعنى أن المهلكين لا يرجعون إلى الدنيا ليفيد الرد على من يقول بالرجعة لأن العرب ليست ممن يعتقد ذلك ، ولو سلم لم يحسن ، لأن السياق ليس له ، لم يتقدم عنهم غير الاستهزاء ، فأنكر عليهم
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
