وظاهر الكرامات مما يشهد ببركتهم ويمن نقيبتهم بحيث إذا ذموهم توقعوا تكذيب الناس لهم ، أكدوا قولهم : (إِنَّا تَطَيَّرْنا) أي حملنا أنفسنا على الطيرة والتشاوم تطيرا ظاهرا ـ بما أشار إليه الإظهار بخلاف ما في النمل والأعراف (بِكُمْ) بنسبة ما حل بنا من البلاء إلى شومكم ، لأن عادة الجهال التيمن بما مالوا إليه ويسندون ما حل بهم من نعمة إلى يمنة والتشاوم بما كرهوه ، ويسندون ما أصابهم من نقمة إلى شومه ؛ ثم إنهم استأنفوا استئناف النتائج قولهم على سبيل التأكيد إعلاما بأن ما أخبروا به لا فترة لهم عنه وإن كان مثلهم مستبعدا عند العقلاء : (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا) أي عن دعائكم هذا (لَنَرْجُمَنَّكُمْ) أي لنشتمنكم أو لنرمينكم بالحجارة حتى تنتهوا أو لنقتلنكم شر قتلة. ولما كان الإنسان قد يفعل ما لا يؤخذ أثره فقالوا معبرين بالمس دون الإمساس : (وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا) أي عاجلا لا من غيرنا كما تقولون أنتم في تهديدكم إيانا بما يحل بنا ممن أرسلكم (عَذابٌ أَلِيمٌ) حتى تنتهوا عنا لنكف عن إيلامكم (قالُوا) أي الرسل : (طائِرُكُمْ) أي شومكم الذي أحل بكم البلاء (مَعَكُمْ) وهو أعمالكم القبيحة التي منها تكذيبكم.
ولما كان لم يبد منهم غير ما يقتضي عند النظر الصحيح التيمن والبركة ، وهو التذكير بالله الذي بيده الخير كله ، أنكروا عليهم تطيرهم منهم على وجه مبين أنه لا سبب لذلك غيره فقالوا : (أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ) أي الأجل إن حصل لكم تذكير بالله تطيرتم بنا؟ ولما كان ذلك لا يصح أن يكون سببا للتطير بوجه ، أضربوا عنه منبهين لهم على أن موضع الشوم إسرافهم لا غير فقالوا : (بَلْ) أي ليس الأمر كما زعمتم في أن التذكير سبب للتطير بل (أَنْتُمْ قَوْمٌ) أي غركم ما آتاكم الله من القوة على القيام فيما تريدون (مُسْرِفُونَ) أي عادتكم الخروج عن الحدود والطغيان فعوقبتم لذلك.
ولما كان السياق لأن الأمر بيد الله ، فلا هادي لمن أضل ولا مضل لمن هدى ، فهو يهدي البعيد في البقعة والنسب إذا أراد ، ويضل القريب فيهما إن شاء ، وكان بعد الدار ملزوما في الغالب لبعد النسب ، قدم مكان المجيء على فاعله بيانا لأن الدعاء نفع الأقصى ولم ينفع الأدنى فقال : (وَجاءَ مِنْ أَقْصَا) أي أبعد ـ بخلاف ما مر في سورة القصص ؛ ولأجل هذا الغرض عدل عن التعبير بالقرية كما تقدم وقال : (الْمَدِينَةِ) لأنها أدل على الكبر المستلزم لبعد الأطراف وجمع الأخلاط. ولما بين الفاعل بقوله : (رَجُلٌ) بين اهتمامه بالنهي عن المنكر ومسابقته إلى إزالته كما هو الواجب بقوله : (يَسْعى) أي يسرع في مشيه فوق المشي ودون العدو حرصا على نصيحة قومه.
ولما تشوفت النفس إلى الداعي إلى إتيانه ، بينه بقوله : (قالَ) واستعطفهم بقوله : (يا قَوْمِ) وأمرهم بمجاهدة النفوس بقوله : (اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) أي في عبادة الله وحده
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
