ختم بالنهي عن التكبر ، ورفع الصوت فوق الحاجة ، إشارة إلى أن فاعل ما لا حاجة إليه غير حكيم ، وكان التكبر على الناس والتعالي عليهم من آثار الفضل في النعمة ، وكانت العادة جارية بأن اللك يخضع له تارة لمجرد عظمته ، وتارة خوفا من سطوته ، وتارة رجاء لنعمته ، أبرز سبحانه وتعالى غيب ما وصف به الآيات المسموعة من تأثير الضدين في حالة واحدة في شاهد الآيات المرئية على وجه يدل على استحقاقه ، لما أمر به لقمان عليهالسلام من العبادة والتذلل ، وأن إليه المرجع ، وهو عالم بكل شيء ، قادر على كل شيء ، وأن كل ما ترى خلقه مذكرا بأن النعمة إنما هي منه ، فلا ينبغي لأحد أن يفخر بما آتاه غيره ، ولو وكل فيه إلى نفسه لم يقدر على شيء منه ، محذرا من سلبها عن المتكبر وإعطائها للذليل المحتقر ، فقال : (أَلَمْ تَرَوْا) أي تعلموا علما هو في ظهوره كالمشاهدة أيها المشترون لهو الحديث ، المتكبرون علي المقبلين على الله ، المتخلين عن الدنيا ، الذين قلنا لهم ردا عن الشرك وإبعادا عن الهوى والإفك (هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ أَنَّ اللهَ) أي الحائز لكل كمال (سَخَّرَ لَكُمْ) أي خاصة (ما فِي السَّماواتِ) بالإنارة والإظلام ، والحر والبرد وغير ذلك من الإنعام ، وأكده بإعادة الموصول والجار ، لأن المقام حقيق به فقال : (وَما فِي الْأَرْضِ) بكل ما يصلحكم فتعلموا أن الكل خلقه ، ما لأحد ممن دونه فيه شيء ، وأنه محيط بكل شيء قدرة وعلما ، فهو قادر على تعسيره كما قدر على تسخيره ، وقوي على نزعه من القوي ودفعه للضعيف وهو يرجعكم إليه فينبئكم بما كنتم تعملون ويحضره لكم وإن كان في أخفى الأماكن (وَأَسْبَغَ) أي أطال وأوسع وأتم وأفضل عن قدر الحاجة وأكمل (عَلَيْكُمْ) أيها المكلفون (نِعَمَهُ) أي واحدة تليق بالدنيا ـ في قراءة الجماعة بإسكان العين وتاء تأنيث منصوبة منونة تنوين تعظيم ، مشيرا إلى أنها ذات أنواع كثيرة جدا ، بما دلت عليه قراءة المدنيين وأبي عمرو وحفص عن عاصم بجعل تاء التأنيث ضميرا له سبحانه مع فتح العين ليكون جمعا (ظاهِرَةً) وهي ما تشاهدونها متذكرين لها (وَباطِنَةً) وهي ما غابت عنكم فلا يحسونها ، أو تحسونها وهي خفية عنكم ، لا تذكرونها إلا بالتذكير ، وكل منكم يعرف ذلك على الإجمال ، فاعبدوه لما دعت إليه مجلة لقمان عليهالسلام لتكونوا من المحسنين ، حذرا من سلب نعمه ، وإيجاب نقمه ، ويجوز أن تكون الآية دليلا على قوله تعالى : (خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها).
ولما كان التقدير : ومع كون كل منكم أيها الخلق يعرف أن ذلك نعمة منه سبحانه تعالى وحده ، فمن الناس من أذعن وأناب ، وسلم لكل ما دعا إليه كتابه الحكيم ، على لسان رسوله النبي الكريم ، فكان من الحكماء الحسنين فاهتدى ، عطف عليه قوله مظهرا
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
