(أَرُونِي ما ذا) أي الذي أو أيّ شيء (خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) أي لتصح لكم دعوى الشركة فيهم ، وإلا فادعاؤكم ذلك فيهم كذب محض وأنتم تدعون أنكم أبعد الناس منه في الأمور الهينة فكيف بمثل هذا ، ولعل استفهامهم عن رؤية شركائهم تنبيه على أنهم من الامتهان والحقارة بحيث يراهم كل من يقصد رؤيتهم ويعلم أنه لا خلق لهم ، والله تعالى ، بخلاف ذلك في كل من الأمرين ، مترد برداء الكبر محتجب بحجاب الجلال والعز ، وكل أحد يعلم أنه الخالق لكل مخلوق ، فكيف يكون من لا يخلق كمن يخلق.
ولما نبههم بهذا الأمر الذي ساقه هذا السياق المعلم بأنه لا ينبغي لعاقل أن يدعي شركة لشيء حتى يعلم الشركة وإن جهل عين المشارك فيه ، قال مؤكدا لذلك موسعا لهم في المحال ، زيادة في تبكيتهم على ما هم فيه من الضلال : (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ) أي وإن كان قليلا (فِي السَّماواتِ) أي أروني ما ذا خلقوا في السماوات ، فالآية من الاحتباك : حذف أولا الاستفهام عن الشركة في الأرض لدلالة مثله في السماء ثانيا عليه ، وحذف الأمر بالإراءة ثانيا لدلالة مثله أولا عليه.
ولما أتم التبكيت بالاستفهام عن المرئي ، أتبعه التوبيخ بالاستفهام عن المسموع ، مؤذنا بالالتفات إلى التكلم بمظهر العظمة بشديد الغضب فقال : (أَمْ آتَيْناهُمْ) أي الشركاء أو المشركين بهم بما لنا من العظمة (كِتاباً) أي دالّا على أنه من عندنا بإعجازه أو غير ذلك من البراهين القاطعة ثبتت لهم شركة (فَهُمْ) أي المشركون (عَلى بَيِّنَةٍ) أي حجة ظاهرة ، وبينات ـ على القراءة الأخرى ، أي دلائل واضحات بما في ذلك الكتاب من ضروب البيان (مِنْهُ) أي ذلك الكتاب على أنا أشركناهم في الأمر حتى يشهدوا لهم هذه الشهادة التي لا يسوغون مثلها في إثبات الشركة لعبد من عبيدهم في أحقر الأشياء فكيف يسوغونها في انتقاص الملك الذي لا خير عندهم إلا منه غير هائبين له ولا مستحين منه.
ولما كان التقدير : لم يكن شيء من ذلك فليسوا على بيان ، بل على غرور ، قال منبها لهم على ذميم أحوالهم وسفه آرائهم وخسة هممهم ونقصان عقولهم مخبرا أنهم لا يقدرون على الإتيان بشيء مما به يطالبون وأنه ليس لهم جواب عما عنه يسألون ، وأكده لأجل ظنهم أن أمورهم في غاية الإحكام ، (بَلْ إِنْ) أي ما (يَعِدُ الظَّالِمُونَ) أي الواضعون للأشياء في غير مواضعها (بَعْضُهُمْ بَعْضاً) أي الأتباع للمتبوعين بأن شركاءهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تشفع وتضر ولا تنفع (إِلَّا غُرُوراً).
ولما بين حقارة الأصنام وكل ما أشركوا به بالنسبة إلى جلال عظمته ، وكانوا لا يقدرون على ادعاء الشركة في الخلق في شيء من ذلك ، وكان ربما أقدم على ادعائه
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
