ولما كان ترك الإنسان للظلم في غاية الصعوبة ، نبه على ذلك بصيغة الافتعال فقال : (وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) أي متوسط في العمل غير باذل لجميع الجهد إلا أنه مجتنب للكبائر فهو مكفر عنه الصغائر ، وهم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا (وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ) أي العبادات وجميع أنواع القربات ، موف للمقام الذي أقيم به حقه كلما ازداد قربا ازداد عملا ، لا يكون سابقا إلا وهو هكذا ، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ، ويؤيد هذا قول الحسن : السابق من رجحت حسناته ، والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته ، والظالم من رجحت سيئاته. وختم بالسابقين لأنهم الخلاصة ، وليكونوا أقرب إلى الجنات ، كما قدم الصوامع في سورة الحج لتكون أقرب إلى الهدم وآخر المساجد لتقارب الذكر ، وقدم في التوبة السابقين عقيب أهل القربات من الأعراب وأخر المرجئين وعقبهم بأهل مسجد الضرار ، وقدم سبحانه في الأحزاب المسلمين ورقى الخطاب درجة درجة إلى الذاكرين الله كثيرا ، فهو سبحانه تارة يبدأ بالأدنى وتارة بالأعلى بحسب ما يقتضيه الحال كما هو مذكور في هذا الكتاب في محاله ، وهذا على تقدير عود الضمير في (مِنْهُمْ) على (الَّذِينَ) لا على (العباد) وهو مع تأيده بالمشاهدة وإن السياق لأن أهل العلم هم التالون لكتاب الله مؤيد بأحاديث لا تقصر ـ وإن كانت ضعيفة ـ عن الصلاحية لتقوية ذلك ، فمنها ما رواه البغوي بسنده عن ابن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية على المنبر وقال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : سابقنا سابق ، ومقتصدنا ناج ، وظالمنا مغفور له (١). وبسنده عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قرأ هذه الآية وقال : أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب ، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا ، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم ثم يدخل الجنة ـ ثم قرأ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ)(٢). وروي بغير إسناد عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : كلهم من هذه الأمة (٣). وقال ابن الجوزي بعد أن ذكر حديث عمر رضي الله عنه بغير سند : وروى
__________________
(١) ضعيف. أخرجه البغوي في تفسيره ٣ / ٤٩٣ من حديث عمر ، وفيه عمرو بن حصين متروك ، وذكره الذهبي في ترجمة الفضل بن موسى وعده من منكرات الفضل وقال : وعمرو تركوه.
(٢) ضعيف أخرجه أحمد ٦ / ٤٤٤ و ٥ / ١٩٤ والحاكم ٢ / ٤٢٦ عن أبي الدرداء وفيه عنعنة الأعمش واضطرابه في اسم الرجل ، فقال مرة : عن أبي ثابت أو عن ثابت ومرة أسقطه فرواه عن أبي الدرداء ، ومرة قال عن رجل من ثقيف! وأخرجه الحاكم عن عائشة من قولها ٢ / ٤٢٦ قالت : أما السابق فمن مضى في حياة رسول الله صلىاللهعليهوسلم فشهد له بالحياة والرزق ، وأما المقتصد فمن تبع آثارهم فعمل بأعمالهم حتى يلحق بهم ، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك ومن اتبعنا وكل في الجنة قال : صحيح ، وتعقبه الذهبي بقوله : الصلت قال النسائي : ليس بثقة ، وقال أحمد : ليس بالقوي.
(٣) الرواية لا تكون بغير إسناد وإنما يقال في ذلك : ذكره فلان أو علّقه ونحوه.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
