ولعله عبر عنها بذلك دون طرق إشارة إلى أن من غرابتها أنها لا تخلق ولا تضمحل ألوانها على طول الأزمان كما هو العادة في غالب ما يتقادم عهده ، والجد بالفتح ، والجدة بالكسر ، والجدد بالتحريك : وجه الأرض ، وجمعه جدد بالكسر ، والجدة بالضم : الطريقة والعلامة والخط في ظهر الحمار يخالف لونه وجمعه جدد كغدة وغدد وعدة وعدد ومدة ومدد ، والجدد محركة : ما أشرف من الرمل وشبه السلعة بعنق البعير ، والأرض الغليظة المستوية ، والجدجد بالفتح : الأرض المستوية.
ولما كان أبلغ من ذلك أن تلك الطرق في أنفسها غير متساوية المواضع في ذلك اللون الذي تلونت به ، قال تعالى دالّا على أن كلّا من هذين اللونين لم يبلغ الغاية في الخلوص : (مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها) وهي من الأرض وهي واحدة. ولما قدم ما كان مستغربا في ألوان الأرض لأنه على غير لونها الأصلي ، أتبعه ما هو أقرب إلى الغبرة التي هي أصل لونها. ولما كانت مادة (غرب) تدور على الخفاء الذي يلزمه الغموض أخذا من غروب الشمس ، ويلزم منه السواد ، ولذلك يؤكد الأسود بغربيب مبالغة الغرب كفرح أي الأسود للمبالغة في سواده ، وكان المقصود الوصف بغاية السواد مخالفة لغيره ، قال تعالى عاطفا على بيض : (وَغَرابِيبُ) أي من الجدد أيضا (سُودٌ) فقدم التأكيد لدلالة السياق على أن أصل العبارة «وسود غرابيب سود» فأضمر الأول ليتقدم على المؤكد لأنه تابع ، ودل عليه بالثاني ليكون مبالغا في تأكيده غاية المبالغة بالإظهار بعد الإضمار ، وهو معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما : أشد سواد الغرابيب (١) ـ رواه عنه البخاري ، لأن السواد الخالص في الأرض ، مستغرب ، ومنه ما يصبغ به الثياب ليس معه غيره ، فتصير في غاية السواد ، وذلك في مدينة فوة ومسير وغيرهما مما داناهما من بلاد مصر.
ولما أكد هذا بما دل على خلوصه ، قدم ذكر الاختلاف عليه ، ولما ذكر تعالى ما الأغلب فيه الماء مما استحال إلى آخر بعيد من الماء ، وأتبعه التراب الصرف ، ختم بما الأغلب فيه التراب مما استحال إلى ما هو في غاية البعد من التراب فقال : (وَمِنَ النَّاسِ) أي المتحركين بالفعل والاختيار (وَالدَّوَابِ) ولما كانت الدابة في الأصل لما دب على الأرض ، ثم غلب إطلاقه على ما يركب قال : (وَالْأَنْعامِ) ليعم الكل صريحا (مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ) أي ألوان ذلك البعض الذي أفهمته «من» (كَذلِكَ) أي مثل الثمار والأراضي فمنه ما هو ذو لون واحد ، ومنه ما هو ذو ألوان مع أن كل ما ذكر فهو من الأراضي متجانس الأعيان مختلف الأوصاف ، ونسبته إليها وإلى السماء واحدة فأين حكم الطبائع.
__________________
(١) علّقه البخاري في التفسير ٣ / ٣٢٩.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
