تطلبون أن تخرجوا من الملح دون العذب وتوجدون ذلك للإخراج ، قال البغوي : وقيل : نسب اللؤلؤ إليهما لأنه قد يكون في البحر الملح عيون عذبة تمتزج به فيكون اللؤلؤ من ذلك. (حِلْيَةً تَلْبَسُونَها) أي نساؤكم من الجواهر : الدر والمرجان وغيرهما ، فما قضى برخاوة ذلك وصلابة هذا مع تولدهما منه إلا الفاعل المختار.
ولما كان الأكل والاستخراج من المنافع العامة عم بالخطاب ، ولما كان استقرار شيء في البحر دون غرق أمرا غريبا ، لكنه صار لشدة إلفه لا يقوم بإدراك أنه من أكبر الآيات دلالة على القادر المختار إلا أهل البصائر ، خص بالخطاب فقال : (وَتَرَى الْفُلْكَ ،) أي السفن تسمى فلكا لدورانه وسفينة لقشره الماء ، وقدم الظرف لأنه أشد دلالة على ذلك فقال : (فِيهِ) أي كل منهما غاطسة إلا قليلا منها.
ولما تم الكلام ، ذكر حالها المعلل بالابتغاء فقال : (مَواخِرَ) أي جواري مستدبرة الريح شاقة للماء خارقة للهواء بصدرها هذه مقبلة وهذه مدبرة وجهها إلى ظهر هذه بريح واحدة ؛ قال البخاري في باب التجارة في البحر : وقال مجاهد : تمخر السفن الريح ، ولا تمخر الريح من السفن إلا الفلك العظام (١) ؛ وقال صاحب القاموس : مخرت السفينة كمنع مخرا ومخورا : جرت أو استقبلت الريح في جريتها ، والفلك المواخر التي يسمع صوت جريها أو تشق الماء بجآجئها أو المقبلة والمدبرة بريح واحدة ، وفي الحديث : إذا أراد أحدكم البول فليتمخر الريح ، وفي لفظ : استمخروا الريح (٢) ، أي اجعلوا ظهوركم إلى الريح فإنه إذا ولاها شقها بظهره فأخذت عن يمينه ويساره ، وقد يكون استقبالها تمخرا غير أنه في الحديث استدبار ـ انتهى كلام القاموس. ثم علق بالمخر معللا قوله : (لِتَبْتَغُوا) أي تطلبوا طلبا شديدا. ولما تقدم الاسم الأعظم في الآية قبلها ، أعاد الضمير عليه ليعلم شدة ارتباط هذه الآية بالتي قبلها فقال : (مِنْ فَضْلِهِ) أي الله بالتوصل بذلك إلى البلاد الشاسعة للمتاجر وغيرها ولو جعلها ساكنة لم يترتب عليها ذلك ، وفي سورة الجاثية ما ينفع هنا (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي ولتكون حالكم بهذه النعم الدالة على عظيم قدرة الله ولطفه حال من يرجى شكره.
(يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما
__________________
(١) انظر كتاب البيوع في الباب المذكور ٣ / ٩.
(٢) ذكره أبو عبيد الهروي في غريب الحديث من قول مولى ابن عيينة وانظر التلخيص ١ / ١٠٧ وهذا يعني أن ابن حجر ومخرجي الرافعي لم يجدوه والله تعالى أعلم.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
