نحوها ، بل هو مدرك لكل ما أراد كلما أراد ، والآية إرشاد من الله تعالى إلى أنه وإن كان خلق للآدمي عقلا لا يضل ولا يزيغ ، لكنه حفه بقواطع من الشهوات والحظوظ والكسل والفتور فلا يكاد يسلم منها إلا من عصمه الله ، فلما كان كذلك أنزل سبحانه كتبا هي العقل الخالص ، وأرسل رسلا جردهم من تلك القواطع ، فجعل أخلاقهم شرائعهم ، فعلى كل أحد أن يتبع رسله المتخلفين بكتبه متهما عقله منابذا رأيه كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، ليكون مؤمنا بالغيب حق الإيمان فيدخل في قوله تعالى في سورة فاطر (إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) [فاطر : ١٨] ولا يكون متناوشا بعد كشف الغطاء من مكان بعيد.
ولما أبطل شبههم وختم من صفاته بما يقتضي البطش بمن خالفه ، قال عاطفا على (وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ) : (وَلَوْ تَرى) أي تكون منك رؤية (إِذْ فَزِعُوا) أي يفزعون بأخذنا في الدنيا والآخرة ، ولكنه عبر بالماضي وكذا في الأفعال الآتية بعد هذا لأن ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما قد كان ووجد لتحققه (فَلا) أي فتسبب عن ذلك الفزع أنه لا (فَوْتَ) أي لهم منا لأنهم في قبضتنا ، لرأيت أمرا مهولا وشأنا فظيعا ، وحقر أمرهم بالبناء للمفعول فقال : (وَأُخِذُوا) أي عند الفزع من كل من نأمره بأخذهم سواء كان قبل الموت أو بعده. ولما كان القرب يسهل أخذ ما يراد أخذه قال : (مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ) أي أخذا لا شيء أسهل منه فإن الآخذ سبحانه قادر وليس بينه وبين شيء مسافة ، بل هو أقرب إليه من نفسه (وَقالُوا) أي عند الأخذ ومعاينة الثواب والعقاب : (آمَنَّا بِهِ) أي الذي أريد منا الإيمان به وأبيناه ، والأقرب أن يكون القرآن الذي قالوا إنه إفك مفترى (وَأَنَّى) أي وكيف ومن أين (لَهُمُ التَّناوُشُ) أي تناول الإيمان أو شيء من ثمراته ، وكأنه عبر به لأنه يطلق على الرجوع ، فكان المعنى أن ذلك بعد عليهم من جهة أنه لا يمكن إلا برجوعهم إلى الدنيا التي هي دار العمل ، وأنى لهم ذلك؟ وهو تمثيل لحالهم ـ في طلبهم أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت كما نفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا ـ بحال من يريد أن يتناول شيئا من علوه كما يتناوله الآخر من قدر ذراع تناولا سهلا ، لا نصب فيه ، ومده أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم لهمزهم إياه فقيل : إن الهمز على الواو المضمومة كما همزت في وجوه ووقتت فيكون لفظه موافقا لمعناه ، والصحيح أنه ليس من هذا ، لأن شرط همز الواو المضمومة ضمة لازمة أن لا يكون مدغما فيها إذا كانت وسطا كالتعود ، وأن لا يصح في الفعل نحو تناول وتعاون ، وقد حكى عن أبي عمرو أن معناه بالهمز التناول من بعد ، من قولهم نأش ـ بالهمز ـ إذا أبطأ وتأخر ، والنيش حركة في إبطاء ، والنأش أيضا : الأخذ ، فيكون الهمز أصليا ، وقرأه
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
