وعبر له بالاسم الأعظم لعلو المقام فقال : (يَأْتِ بِهَا اللهُ) بعظم جلاله ، وباهر كبريائه وكماله ، بعينها لا يخفى عليه ولا يذهب شيء منها ، فيحاسب عليها ، ثم علل ذلك من علمه وقدرته بقوله مؤكدا إشارة إلى أن إنكار ذلك لما له من باهر العظمة من دأب النفوس إن لم يصحبها التوفيق : (إِنَّ اللهَ) فأعاد الاسم الأعظم تنبيها على استحضار العظمة وتعميما للحكم (لَطِيفٌ) أي عظيم المتّ بالوجوه الخفية الدقيقة الغامضة في بلوغه إلى أيّ أمر أراده حتى بضد الطريق الموصل فيهما يظهر للخلق (خَبِيرٌ) بالغ العلم بأخفى الأشياء فلا يخفى عليه شيء ، ولا يفوته أمر.
ولما نبهه على إحاطة علمه سبحانه وإقامته للحساب ، أمره مما يدخره لذلك توسلا إليه ، وتخضعا لديه ، وهو رأس ما يصلح به العمل ويصحح التوحيد ويصدقه ، فقال : (يا بُنَيَ) مكررا للمناداة على هذا الوجه تنبيها على فرط النصيحة لفرط الشفقة (أَقِمِ الصَّلاةَ) أي بجميع حدودها وشروطها ولا تغفل عنها ، سعيا في نجاة نفسك وتصفية سرك ، فإن إقامتها ـ وهي الإتيان بها على النحو المرضي ـ مانعة من الخلل في العمل (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ) لأنها الإقبال على من وحدته فاعتقدت أنه الفاعل وحده وأعرضت عن كل ما سواه لأنه في التحقيق عدم ، ولهذا الإقبال والإعراض كانت ثانية التوحيد ، وترك ذكر الزكاة تنبيها على أن من حكمته تخليه وتخلي ولده من الدنيا حتى مما يكفيهم لقوتهم.
ولما أمر بتكميله في نفسه بتكميل نفسه توفية لحق الحق ، عطف على ذلك تكميله لنفسه بتكميل غيره توفية لحق الخلق ، وذلك أنه لما كان الناس في هذه الدار سفرا ، وكان المسافر إن أهمل رفيقه حتى أخذ أو شك أن يؤخذ هو ، أمره بما يكمل نجاته بتكميل رفيقه ، وقدمه ـ وإن كان من جلب المصالح ـ لأنه يستلزم ترك المنكر ، وأما ترك المنكر فلا يستلزم فعل الخير ، فإنك إذا قلت : لا تأت منكرا ، لم يتناول ذلك في العرف إلا الكف عن فعل المعصية ، لا فعل الطاعة ، فقال : (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ) أي كل من تقدر على أمره تهذيبا لغيرك شفقة على نفسك بتخليص أبناء جنسك.
ولما كانت هذه الدار سفينة لسفر من فيها إلى ربهم ، وكانت المعاصي مفسدة لها ، وكان فساد السفينة مغرقا لكل من فيها : من أفسدها ومن أهمل المفسد ولم يأخذ على يده ، وكان الأمر بالمعروف نهيا عن المنكر ، صرح به فقال : (وَانْهَ) أي كل من قدرت على نهيه (عَنِ الْمُنْكَرِ) حبا لأخيك ما تحب لنفسك ، تحقيقا لنصيحتك ، وتكميلا لعبادتك ، لأنه ما عبد الله أحد ترك غيره يتعبد لغيره ، ومن هذا الطراز قول أبي الأسود رحمهالله تعالى :
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
