ولما كان كل من أمريهم هذين في العمارة والخراب أمرا باهرا دالّا على أمور كثيرة ، منها القدرة على الساعة التي هي مقصود السورة بالنقلة من النعيم إلى الجحيم والحشر إلا ما لا يريد الإنسان كما حشر أهل سبأ إلى كثير من أقطار البلاد كما هو مشهور في قصتهم ، قال منبها على ذلك مستأنفا على طريق الاستنتاج ، مؤكدا تنبيها على إنعام النظر فيه ، لما له من الدلالة على صفات الكمال : (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي الأمر العظيم (لَآياتٍ) أي دلالات بينة جدا على قدرة الله تعالى على التصرف فيما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض بالإيجاد والإعدام للذوات والصفات بالخسف والمسخ ، فإنه لا فرق بين خارق وخارق ، وعلى أن بطرهم لتك النعمة حتى ملوها ودعوا بإزالتها دليل على أن الإنسان ما دام حيا فهو في نعمة يجب عليه شكرها كائنة ما كانت وإن كان يراها بلية ، لأنه لما طبع عليه من القلق كثيرا ما يرى النعم نقما ، واللذة ألما ، ولذلك ختم الآية بالصبر بصيغة المبالغة.
ولما كان الصبر حبس النفس عن أغراضها الفاسدة وأهويتها المعمية ، وكانت مخالفة الهوى أشد ما يكون على النفس وأشق ، وكانت النعم تبطر وتطغي ، وتفسد وتلهي ، فكان عطف النفوس إلى الشكر بعد جماحها بطغيان النعم صعبا ، وكانت قريش قد شاركت سبأ فيما ذكر وزادت عليهم برغد العيش وسهولة إتيان الرزق بما حببهم به وبلدهم إلى العباد بدعوة أبيهم إبراهيم عليهالسلام مع آمن البلد وجلالة النسب وعظيم المنصب كما أشار إليه قوله تعالى (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ ـ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً) [النحل : ١١٢] قال تعالى محذرا لهم مثل عقوبتهم : (لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) أي من جميع بني آدم ، مشيرا بصيغة المبالغة إلى ذلك كله ، وأن من لم يكن في طبعه الصبر والشكر لا يقدر على ذلك ، وأن من ليس في طبعه الصبر فاته الشكر.
ولما كان المعنى : آيات في أن تخالفوا إبليس فلا تصدقوا ظنه في احتناكهم حيث قال : (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً) [الإسراء : ٦٢] قال مؤكدا لإنكار كل أحد أن يكون صدق ظن إبليس فيه : (وَلَقَدْ) أي كان في ذلك آيات مانعة من اتباع الشيطان والحال أنه قد (صَدَّقَ.) ولما كان في استغوائهم غالبا لهم في إركابهم ما تشهد عقولهم بأنه ضلال ، أشار إلى ذلك بأداة الاستعلاء قفال : (عَلَيْهِمْ) أي على ذرية آدم عليهالسلام.
ولما كان في سياق الإثبات لعظمة الله وما عنده من الخير وما له من التصرف التام الداعي ذلك إلى الإقبال إليه وقصر الهمم عليه ، عبر بقوله تعالى : (إِبْلِيسُ) الذي هو من البلس وهو ما لا خير عنده ـ والإبلاس ـ وهو اليأس من كل خير ـ ليكون ذلك أعظم
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
