جنوده وكل من في ملكه من الجن والإنس وغيرهم من كل قريب وبعيد (عَلى مَوْتِهِ) لأنا جعلنا له من سعة العلم ووفور الهيبة ونفوذ الأمر ما تمكن به من إخفاء موته عنهم (إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ) فخمها بهذه الإضافة التي من معناها أنه لا دابة للأرض غيرها لما أفادته من العلم ولأنها لكونها تأكل من كل شيء من أجزاء الأرض من الخشب والحجر والتراب والثياب وغير ذلك أحق الدواب بهذا الاسم ، ويزيد ذلك حسنا أن مصدر فعلها أرض بالفتح والإسكان فيصير من قبيل التورية ليشتد التشوف إلى تفسيرها ، ثم بين أنها الأرضة بقوله مستأنفا في جواب من كأنه قال : أي دابة هي وبما دلت : (تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ) أي عصاه التي مات وهو متكىء عليها قائما في بيت من زجاج ، وليس له باب ، صنعته له الجن لما أعلمه الله بأن أجله قد حضر ، وكان قد بقي في المسجد بقية ليخفي موته على الجن الذين كانوا يعملون في البيت المقدس حتى يتم ؛ قال في القاموس في باب الهمز : نسأه : زجره وساقه وأخره ودفعه عن الحوض ، والمنسأة كمكنسة ومرتبة ، ويترك الهمز فيهما : العصا ـ لأن الدابة تنسأ بها أي تساق ، والبدل فيها لازم ، حكاه سيبويه ـ انتهى. فالمعنى أن الجن كانوا يزجرون ويساقون بها ، وقرأها المدنيان وأبو عمرو بالإبدال ، وابن عامر من رواية ابن ذكوان والداجوني عن هشام بإسكان الهمزة ، والباقون بهمزة مفتوحة (فَلَمَّا خَرَّ) أي سقط على الأرض بعد أن قصمت الأرضة عصاه (تَبَيَّنَتِ الْجِنُ) أي علمت علما بينا لا يقدرون معه على تدبيج وتدليس ، وانفضح أمرهم وظهر ظهورا تاما (أَنْ) أي أنهم (لَوْ كانُوا) أي الجن (يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ) أي علمه (ما لَبِثُوا) أي أقاموا حولا مجرما (فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ) من ذلك العمل الذي كانوا مسخرين فيه ، والمراد إبطال ما كانوا يدعونه من علم الغيب على وجه الصفة ، لأن المعنى أن دعواهم ذلك إما كذب أو جهل ، فأحسن الأحوال لهم أن يكون جهلا منهم ، وقد تبين لهم الآن جهلهم بيانا لا يقدرون على إنكاره ، ويجوز أن تكون «أن» تعليلية ، ويكون التقدير : تبين حال الجن فيما يظن بهم من أنهم يعلمون الغيب ، لأنهم إلى آخره ، وسبب علمهم مدة كونه ميتا قبل ذلك أنهم وضعوا الأرضة على موضع من العصا فأكلت منها يوما وليلة ، وحسبوا على ذلك النحو فوجدوا المدة سنة ، وفي هذا توبيخ للعرب أنهم يصدقون من ثبت بهذا الأمر أنهم لا يعلمون الغيب في الخرافات اللاتي تأتيهم بها الكهان وغيرهم مما يفتنهم والحال أنهم يشاهدون منه كذبا كثيرا ، فكانوا بذلك مساوين لمن يخبر من الآدميين عن بعض المغيبات بظن يظنه أو منام يراه أو غير ذلك ، فيكون كما قال ـ هذا مع إعراضهم عمن يخبرهم بالآخرة شفقة عليهم ونصيحة لهم ، وما أخبرهم بشيء قط إلا ظهر صدقه قبل ادعائه للنبوة وبعده ، وأظهر لهم من
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
