على غير ذلك فليحذره كل أحد في حال الخلوة كما يحذره في حال الجلوة ، فيا لها من عظمة باهرة ، سطوة ظاهرة قاهرة ، يحق لكل أحد أن يبكي منها الدماء فضلا عن الدموع ، وأن تمنعه مريح القرار ولذيذ الهجوع ، روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : «استأذن عليّ أفلح أخو أبي القعيس رضي الله عنه بعد ما أنزل الحجاب ، فقلت : لا آذن له حتى أستأذن فيه النبي صلىاللهعليهوسلم فإن أخاه أبا القعيس ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس ، فدخل عليّ النبي صلىاللهعليهوسلم فقلت : يا رسول الله! إن أفلح أخا أبي القعيس استأذن فأبيت أن آذن له حتى أستأذنك ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : وما يمنعك؟ قلت : يا رسول الله! إن الرجل ليس هو أرضعني ، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس ، فقال : ائذني له فإنه عمك تربت يمينك ، قال عروة : فلذلك كانت عائشة رضي الله عنها تقول : حرموا من الرضاعة ما تحرموا من النسب» (١).
ولما كانت هذه الآيات وما قبلها وما بعدها في إظهار شرف النبي صلىاللهعليهوسلم وبيان مناقبه ، علل الأوامر فيها والنواهي وغيرها بقوله ، مؤكدا لاقتضاء الحال ذلك أما ممن آذاه بالجلوس في غير حينه فواضح ، وأما غيره فكان من حقهم أن لا يفارقوا المجلس حتى يعلموا من لا يعرف الأدب ، فكان تهاونهم في ذلك فعل من لا يريد إظهار شرفه صلىاللهعليهوسلم فهو تأديب وترهيب : (إِنَّ اللهَ) أي وعلمكم محيط بأن له مجامع الكبر والعظمة والعز (وَمَلائِكَتَهُ) أي وهم أهل النزاهة والقرب والعصمة.
ولما كان سبحانه قد قدم قوله : «هو الذي يصلي عليكم وملئكته» فأفرد كلّا بخبر ، وكان النبي صلىاللهعليهوسلم أعلى المخاطبين حظا من ذلك ، فإنه رأس المؤمنين ، أفرده هنا بهذه الصلاة التي جمع فيها الملائكة الكرام معه سبحانه وجعل الخبر عنهم خبرا واحدا ليكون أتم ، فإن قولك : فلان وفلان ينصران فلانا ، أضخم من قولك : فلان ينصره وفلان ، فقال تعالى : (يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ) أي يظهرون شرفه وما له من الوصلة بالملك الأعظم بما يوحيه الله إليه من عجائب الخلق والأمر من عالم الغيب والشهادة ، وهو معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما كما رواه البخاري : «يبركون» (٢).
ولما كانت ثمرة المراد بهذا الإعلام التأسي ، علم بآخر الكلام أن المعنى :
__________________
(١) أخرجه البخاري ٤٧٩٦ و ٥٢٣٩ ومسلم ١٤٤٥ وأبو داود ٢٠٥٧ والترمذي ١١٤٨ وابن ماجه ١٩٤٩ وابن حبان ٤٢١٩ ومالك ٢ / ٦٠١ وأبو يعلى ٤٥٠١ والدارقطني ٤ / ١٧٨ والدارمي ٢ / ١٥٦ وأحمد ٦ / ٣٨ و ١٩٤ من حديث عائشة.
(٢) ذكره البخاري قبل حديث ٤٧٩٧ معلقا عن ابن عباس قوله وأخرجه الطبري ٢٨٦٣٢ عن ابن عباس موقوفا عليه.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
