ولما كان هذا الدخول بالإذن مطلقا ، وكان يراد تقييده ، وكان الأصل في ذلك : فإذا دعيتم ـ إلى آخره ، ولكن لما كان المقام للختم بالجزم فيما يذكر ، وكان للاستدراك أمر عظيم من روعة النفس وهزها للعلم بأن ما بعده مضاد لما قبله قال : (وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ) أي ممن له الدعوة (فَادْخُلُوا) أي لأجل ما دعاكم له ؛ ثم سبب عنه قوله : (فَإِذا طَعِمْتُمْ) أي أكلتم طعاما أو شربتم شرابا (فَانْتَشِرُوا) أي اذهبوا حيث شئتم في الحال ، ولا تمكثوا بعد الأكل لا مستريحين لقرار الطعام في بطونكم (وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ) أي طالبين الأنس لأجله ، قال حمزة بن نضر الكرماني في كتابه جوامع التفسير : قال الحسن : حسبك في الثقلاء أن الله لم يتجوز في أمرهم ـ انتهى ، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : حسبك بالثقلاء أن الله لم يحتملهم ، ثم علل ذلك بقوله مصوبا الخطاب إلى جميعه ، معظما له بأداة البعد : (إِنَّ ذلِكُمْ) أي الأمر الشديد وهو المكث بعد الفراغ من الأكل والشرب (كانَ يُؤْذِي النَّبِيَ) أي الذي هيأناه لسماع ما ننبئه به مما يكون سبب شرفكم وعلوكم في الدارين ، فاحذروا أن تشغلوه عن شيء منه فننبئه بشيء تهلكون فيه. ثم سبب عن ذلك المانع له من مواجهتهم بما يزيل أذاه فقال : (فَيَسْتَحْيِي) أي يوجد الحياء ، وأصله إيجاد الحياة. كأن من لا حياء له جماد لا حياة له (مِنْكُمْ) أي أن يأمركم بالانصراف (وَاللهُ) أي الذي له جميع الأمر (لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ) أي لا يفعل فعل المستحيي فيؤديه ذلك إلى ترك الأمر به.
ولما كان البيت يطلق على المرأة لملازمتها له عادة ، أعاد الضمير عليه مرادا به النساء استخداما فقال : (وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَ) أي الأزواج (مَتاعاً) أي شيئا من آلات البيت (فَسْئَلُوهُنَ) أي ذلك المتاع ، كائنين وكائنات (مِنْ وَراءِ حِجابٍ) أي ستر يستركم عنهن ويسترهن عنكم (ذلِكُمْ) أي الأمر العالي الرتبة الذي أنبئكم جميعكم به من السؤال من وراء حجاب وغيره (أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَ) أي من وساوس الشيطان التي كان يوسوس بها في أيام الجاهلية قناعة منه بما كانوا في حبالته من الشرك (وَما كانَ لَكُمْ) أي وما صح وما استقام في حال من الأحوال (أَنْ تُؤْذُوا) وذكرهم بالوصف الذي هو سبب لسعادتهم واستحق به عليهم من الحق ما لا يقدرون على القيام بشكره فقال : (رَسُولَ اللهِ) صلىاللهعليهوسلم ، أي الذي له جميع الكمال فله إليكم من الإحسان ما يستوجب منكم به غاية الإكرام والإجلال ، فضلا عن الكف عن الأذى ، فلا تؤذوه بالدخول إلى شيء من بيوته بغير إذنه أو المكث بعد فراغ الحاجة ولا بغير ذلك.
ولما كان قد قصره صلىاللهعليهوسلم عليهن ، ولزم ذلك بعد أن أحل له غيرهن قصرهن عليه بعد الموت زيادة لشرفه وإظهارا لمزيته فقال : (وَلا أَنْ تَنْكِحُوا) أي فيما يستقبل من
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
