الحر ، لأن المسرور تكون عينه باردة ، والمهموم تكون عينه حارة ، فلذلك يقال للصديق : أقر الله عينك ، وللعدو : أسخن الله عينك (وَلا يَحْزَنَ) أي بالفراق وغيره مما يحزن من ذلك (وَيَرْضَيْنَ) لعلمهن أن ذلك من الله لما للكلام من الإعجاز (بِما آتَيْتَهُنَ) أي من الأجور وغيرها من نفقة وقسم وإيثار وغيرها.
ولما كان التأكيد أوقع في النفس وأنفى للبس ، وكان هذا أمرا غريبا لبعده عن الطباع أكد فقال : (كُلُّهُنَ) أي ليس منهن واحدة إلا هي كذلك راغبة فيك راضية بصحبتك إن آويتها أو أرجأتها لما لك من حسن العشرة وكرم الأخلاق ومحاسن الشمائل وجميل الصحبة ، وإن اخترت فراقها علمت أن هذا أمر من الله جازم ، فكان ذلك أقل لحزنها فهو أقرب إلى قرار عينها بهذا الاعتبار ، وزاد ذلك تأكيدا لما له من الغرابة التي لا تكاد تصدق بقوله عطفا على نحو (فالله يعلم ما في قلوبهم) : (وَاللهُ) أي بما له من الإحاطة بصفات الكمال (يَعْلَمُ) أي علما مستمرا لتعلق (ما فِي قُلُوبِكُمْ) أي أيها الخلائق كلكم ، فلابد إن علم ما في قلوب هؤلاء.
ولما رغبه سبحانه في الإحسان إليهن بإدامة الصحبة بما أخبره من ودهن ذلك ، لكونه صلىاللهعليهوسلم شديد المحبة لإدخال السرور على القلوب ، زاده ترغيبا بقوله : (وَكانَ اللهُ) أي أزلا وأبدا (عَلِيماً) أي بكل شيء ممن يطيعه ومن يعصيه (حَلِيماً) لا يعاجل من عصاه ، بل يديم إحسانه إليه في الدنيا فيجب أن يتقي لعلمه وحلمه ، فعلمه موجب للخوف منه ، وحلمه مقتض للاستحياء منه ، وأخذ الحليم شديد ، فينبغي لعبده المحب له أن يحلم عمن يعلم تقصيره في حقه ، فإنه سبحانه يأجره على ذلك بأن يحلم عنه فيما علمه منه ، وأن يرفع قدره ويعلي ذكره ، روى البخاري في التفسير عن معاذة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية (تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَ) الآية ، قلت لها : ما كنت تقولين؟ قالت : كنت أقول له : إن كان ذاك إليّ فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدا (١).
ولما أمره بما يشق من تغيير العوائد في أمر العدة ، ثم بما قد يشق عليه صلىاللهعليهوسلم من تخصيصه بما ذكر خشية من طعن بعض من لم يرسخ إيمانه ، وختم ذلك بما يسر أزواجه ، وصل به ما يزيد سرورهن من تحريم غيرهن عليه شكرا لهن على إعراضهن عن الدنيا واختيارهن الله ورسوله فقال : (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ) ولما كان تعالى شديد العناية به صلىاللهعليهوسلم ، لوّح له في آية التحريم إلى أنه ينسخه عنه ، فأثبت الجار فقال : (مِنْ
__________________
(١) أخرجه البخاري ٤٧٨٩ وأحمد ٦ / ٧٦ من حديث عائشة.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
